تستدعي أيام الغربة اللي عايشها حاليا حالة من الوخم و الكسل و الحزن و كل ما هو على شاكلة السواد ده. بلد تقريبًا مفيهاش حاجة تتعمل، و تقريبًا قاعد لوحدي .. مفيش أكتر من كده جو مثالي للأنتخة.
مِن و انا في مصر كنت شايل و مأجّل حاجات كتير أوي أعملها لحد ما آجي هنا. في الغربة الواحد هيبقى عنده وقت أكتر، هدوء نسبي، مفيش حاجة تشتته عن اللي عايز يعمله، و عن اللي كان مخطط له من زمان. رحت على بلد الغربة، و بقى عندي وقت أكتر، و بقى فيه هدوء نسبي، و تقريبًا مفيش حاجة تشتتني .. لكن لسه الحاجات اللي عايز أعملها زي ما هي.
دي أول مره أسافر بره مصر لفترة طويلة، و أول مرة أسافر برة مصر أصلًا. أهم اكتشافاتي و مكاسب فترة السفر حتى الآن؛ إنها جابت مراية و وضعتها قدامي. أول مرة أشوف نفسي بالوضوح ده، شفت مميزاتي و عيوبي، شفت أنا بتصرف في المواقف دي إزاي، شفت إزاي بتعامل مع المختلف و اللي شايفه غلط. مش مهم بتصرف صح ولا لأ، بس المهم إني شفت نفسي، شفت أنا عامل إزاي. من أوضح الحاجات اللي شفتها هي إنقراض الهمة و العزيمة داخلي لو الحاجة اللي هعملها مش مقتنع بيها تمام الاقتناع. هنا ظهر أوي الفرق بين صح، و الصح بتاعي؛ بين الإجابة النموذجية، و بين الإجابة بتاعتي.
نتيجة كل الكلام السابق تم التعامل مع كل أوقات الفراغ على اتجاه من اتنين؛ يا إما تفكير بزيادة في حالي و أنا ليه عامل كده، يا إما الأنتخة و الراحة و تعويض شقاء العمر اللي فات! .. لسه قائمة الكتب اللي عايز أقراها زي ما هي، لسه الكام بحث اللي كنت ناوي أعملهم زي ما همّا، لسه أنا زي قبل ما أسافر، الزيادة هو شوية تفكير أكتر. و من هنا زادت حالة الحزن أكتر. بدأت أشكك في نفسي، و هل ما كنت أدّعيه طلع أوهام، ولا هي نكبة و هتعدي؟
ظلت هذه الحالة إلى أن ظهر شيء جديد، شيء مخالف عن المعتاد. بعد طول تفكير افتكرت إن كان في كورس فلسفة من هارفرد، ع النت، ببلاش، طبعًا مفيش أحسن من كده. بدأت أتفرج على الكورس، و أتابعه بزيادة. أخد وقت و مساحة كبيرة من اليوم، فكّرني بالحاجة اللي كنت زمان شاغل نفسي بيها، و وصلت لحالة نادرة من النشاط و التفاؤل، حتى الشغل بقيت أروحه مبسوط. الفرق بين قبل الكورس و بعده حاجة واحده بس؛ إن رجع في يومي يبقى في مصدر لإشباع رغباتي و اهتماماتي أنا، مش أهداف المجتمع و الحاجات اللي "المفروض" أعملها، لأ، الحاجة اللي أنا عايزها. الحمد لله على إنعكاس الشحنة المعنوية دي على باقي اليوم، و يا رب تكمل.
حتى لو الوضع الحالي مش هو المثالي بالنسبة لك، حتى لو لسه مش لاقي الحاجة اللي نفسك فيها .. خلي بالك، لازم تحافظ على الحاجات اللي بتحبها، و تخليها دايمًا موجودة في يومك.