Sunday, 2 August 2015

بيت له منزلة

كعادة أيام الآحاد، تطل عليّ بدوي صامت، فارغ، تاركة لي مساحة غير مرغوبة فيها من فضاء غاب عنه النور، تاهت في جنباته التفاصيل. كعادة من اخترتهم، غابوا عن هذا اليوم، كما فعلوا في كل حين، لا لشيء غير أني غيّبتهم، تارة شفقة عليهم، وتارة أخرى حسرة شخصية.
حقًا لا أدري إن كانت الوحدة اختيار، قدر، أم مصير محتوم. أجذب الناس عنوة في تفاصيل يومي هربًا من فراغه، وأسرع الخطى بعد ذلك متسترًا في نظرات حائرة بين حزن وحيرة. أسرع الخطى نحو بيوت طالما عرفتها، بما يسكن داخلها، غير أني لا أقدم على فتحها.. أجري نحوها حتى تتقطع أنفاسي، وتتقطع أوصالي بين الحقيقة والذكريات.
كل باب موصود، مفتاحه في يدي، آبيًا أن أفتح أيًا منهم؛ فقد بذلت من الجهد ما لا أستطع رصده في إخفاء ما بالداخل، بآثار من مروا من هنا، وذكريات من كانوا هنا، وآمال لمن تمنيت أن يتواجدوا، ولم يأتوا هنا، بين من طاءت أقدامهم وعبروا بين أغوار الزمن كمن عبر من غيرهم.
يسكن اليوم داخل نفسي هدوءًا غير مريح، أترجل بين بيوتي، مارًا بما كان.

بيت أول: البيت القديم
أكبر البيوت، أكثرها ظلمة، أكثرها غرفًا بما يحتويه من علامات. مستعيرًا أنماط الأفلام القديمة، أصبغ عليها بهاء قصور أحد بارونات زمن بال وبقيت آثاره مذكرةً إيانا بمصادر رعبنا من المجهول.
بيت قد حوى كل أخطاء تعلّم أجيال قد ظنت في نفسها الفطنة، لكن قد غلب عليهم الاستغراق في مساعٍ لا تفهمها أجيال قد تلت عليهم، غير مبالين، نحن، بما حصدوا، وغير مقدرين أي جهد قد بُذل.
قديمًا، كان هذا البيت هو أكثرهم في توفير الفرح والألفة.
باب عظيم، يدق أعناق من يحاولون تغييره. باب كبير، أخفيت مفاتيحه كي يظل محافظًا على قدره ومكانته. باب مخيف، أهرب هلعًا كلما حاولت، أو حاول الآخرون، الاقتراب كمحاولة جديدة للتصالح معه.
كعادتي، كما أفعل الآن، أتهرب من الحديث عنه بطي عنق الكلم، فلا أقوى على مسه الآن، حتى حين..

بيت ثان: بيت صغير
أرى أن الزهور مبهجة، غير أنها ليست جميلة بذاتها. ألوان تتناسق فتضفي نغم حولنا، وطبيعتها غير المصطنعة، هي  ما يجعلنا متمسكين، مهتمين، وحريصين على مراعاة جمال لسنا صانعيه، زادته صدفة اللقاء عبير غلب على أسرار الزمن.
غريب أمر أن صورة البيت الصغير تكون دائمًا حرة، مستقلة، فيها إعلان عن سيطرتنا على هذا البيت الخشبي الصغير وسط المساحة الخضراء التي تحتويه.


مجروحًا من البيت القديم، سعيت هربًا في بناء ذلك البيت كيفما يحلو لي. صغت خيوط أحلامي في ذلك البيت، متمنيًا أن أجد فيه كل مشاهدات الطفولة، وأحلامها الصغيرة. أرض وسقف خشبي، من أضلع متينة تريح من بالداخل. على الجانب الأيمن بعد الباب غرفة تطل منها المكتبة كالبطلة في منتصف الحائط الرئيسي، ولا ينير هذه الغرفة غير نور شمس خفيف يحمل في روحه هدوء يبحث عنه الكثير، ومَوقِد بطراز تقليدي قديم، ينشر الدفء بإشعال الحطب فيه. لا وجود لكرسي الكبار مرتدي الأرواب كما الأفلام القديمة. غرفة طعام لأربع أشخاص، مفتوحة على بقية البيت. ركن بعيد قد امتلئ بمتعلقات زائري البيت، كي يكون فيه جزء منهم.
موسيقى السبعينات تدور في خلفية الأيام هناك، مارة على صور ألتقطها بين أيام عمري.
بيت وحيد لم يطأه أحد، رغم المحاولات، فلا أحد استحق، أو لم أجد في نفسي التلقائية التي أبحث عنها بعد. بيت فارغ أكاد أن أصرف النظر عنه، بلا رجعة، لكن تظل صورته تناور بين أقرانها، محاولة إيجاد فرصة.

بيت أخير: بيت مفقود
بين حطام ذكريات قد مضت، صار البحث من مأوى هو أساس مضي الأيام. أترجل بين الحين والآخر باحثًا عن راحة لم أذق طعم لها، ولم أتنعم يومًا بها، لا لشيء غير ما قد حكوا لنا عنها، فالراحة دائمًا هناك، والسعادة دائمًا لاحقة، والباقي دائمًا في الطريق، لكن لا شيء هنا.
رأيت، أن العقبة قد تكون في تصوراتنا عن البيوت، والأحلام، والذكريات، فتركت نفسي سائحًا، بغير عنوان، أبحث عن لا شيء، متمنيًا أن تأتي الصدفة، أو يأتي اليقين.

قد يكون البحث عن بيت له منزلة غير حقيقي، لذا لم آت به، فما تمسكت بشيء غير محاولات الصدق، والبعد عن زيف التصور.