Sunday, 10 May 2015

مغرب الآحاد

اقترب اكتمال أربع سنوات على الآحاد الخالية، فقد اخترت، طوعًا، أن يقتصر اسبوعي على ستة أيام دون سابع، فما حاجة يوم آخر من حالة طالما عبرت عنها باسترسال!. ينقص من العمر يومًا كل اسبوع، يمر بلا رتم أو نظم يحكمه. تتكاثر طرق مضي الوقت حينها، مع تدريب، كرهبان الجبال، على ضبط النفس وعد الأنفس واحدًا تلو الآخر.. حتى نستطع تمييز خمسة. خمسة أنفاس، لا أكثر، غير مفتقد لمزيد، مقتصد بما حصدت.

العمر والزمن، رزمانة السنة، ومرات إحساسك بالأهمية. كلها أدواتنا كي نقيس وقتٍ ثَقُلَ مضيّه. الأخيرة هي أكثرهم وقعًا، وأعلاهم صدًا. الأخيرة تملك سحر طي الزمان، وتوطيد العلاقات، كائنًا ما كانت. الأخيرة، هي ما تعد أهليتنا بكوننا آدميين مخلوقات صُبغت طبيعتها كي تكون متجاوبة، مشاركة، متشابكة الأطراف بين المشاركين. الأخيرة، تُفقد حين غرة، وتأتي صدفة، ونأسف على رحيلها، بعد أن كانت هي من ترسم ملامح الطريق.

قد اخترت.. طوعًا. كلمة تنبء عن فعل ما كنت فاعله، بل صرت مع الوقت مستقبله الوحيد. طوعًا، تضفي لونًا من التحكم الزائف، غير أن الحقيقة تكمن في اختيار السيء لا الأسوأ. كمن اقتص من اسبوعه يومًا، فقد اجتزع من معارفه أغلبهم.

رفض الواقع، أم كراهيته؟.. فما الرفض ينتهي عند استنفار من اضطررت أن تجده حولك، وما الكراهية تقف حدودها عند عزل النفس عن المكروه. وما حال من كره اسمه؟ وما حال من لم يتأقلم على مسارات فكره؟ كمن جُبِلَ على الانفصام، فما عرف يومًا وحدة النفس واتساقها. وما حال من أراد يومًا التغيير، دون وجهة؟ وما حال من رفض حال العبيد، وهو مكلول؟ وما لسان من زهد الكلام، لما ما لم يجده من طائل؟ وما حال من استلزمته غصة وحقن من مفردات حياته؟

الله، المنطق، وكتاب مرسل... أقف حائرًا بين التعريفات.

الحق، الخير، والجمال.. أهم كالعدل؟ معانٍ مؤجلة، أم هم ترانيم أم لأبناءها المرتعدين؟

لم أغلب العجائز منكسرين؟ لم نخلط الضعف بالحسرة، باكتشاف مُرٍ لن يحكوا لنا عنه؟

الآحاد هي أكثر أيامي فضًا، وأكثرها بعلامات الاستفهام. اكثرها اقترابًا لنفسي، وما أكره.. فأصبحت أبحث عن استعادة يومي المنقوص، واكتمال الاسبوع تلو الآخر. ولكن.. كما يقولون.. هيهات.

Sunday, 3 May 2015

استرسال

مزج أول: 
المجد للشيطان .. معبود الرياح
من قال " لا " في وجه من قالوا " نعم "
من علّم الإنسان تمزيق العدم
من قال " لا " .. فلم يمت ,
وظلّ روحا أبديّة الألم 
 لا أعلم إن كانت النهايات تصبغ حالة من الضمور على شاهديها، أم تطبع رؤية الأمور على حقيقتها، فيرسل لنا من يعاصروها نفحات صور النهايات، محذرين تارة، ومطلقين العنان لما في صدورهم، لا لشيء غير البحث عن مواساة متوارية، خاجلي الطلب، مُعليين الكرامة.

لا أتذكر من صارح الباقيين برؤيته لنهاية تشع نورا. نوعًا ما لا أصدقهم، فإما قد غلبهم التعب، أو غلبهم مراعاة ذويهم. أرى توصيف النهايات بالغمام عند كل من صار الوصف صنعته، فلا يقدر على مداراة - ما يراه حقيقة حينها - الوصف كما هو، غير مبالين بالآخرين. النهايات المشرقة تجذب الصغار، كاتبي الروايات. أن شئت دليلًا على هذا، فراقب ردود أفعال الناس حين يرون نهاية مفتوحة ولا أقل نهاية واقعية، أو نهاية كما ذكر "أمل" أو "درويش" في أواخر عهدهم. النهايات غير المصاغة تزعج العامة، فلا أحد يريد إزالة غض الطرف عن حلاوة ما تبقى، ممنّين أنفسهم بدوام أفضل عن من سواهم.

أستطيع توقع انزعاج من صادفه حظه، وإصراره إلى حد كبير، ممن يقرؤوا تلك الكلمات الآن، ولكن ما من مفر عن الحقيقة، غير حياكة لباس الزيف عليها.

( مزج ثان ) :
معلّق أنا على مشانق الصباح
و جبهتي – بالموت – محنيّة
لأنّني لم أحنها .. حيّه !
... ...
" سيزيف " لم تعد على أكتافه الصّخره
يحملها الذين يولدون في مخادع الرّقيق
و البحر .. كالصحراء .. لا يروى العطش
لأنّ من يقول " لا " لا يرتوي إلاّ من الدموع !
.. فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
فسوف تنتهون مثله .. غدا
و قبّلوا زوجاتكم .. هنا .. على قارعة الطريق
فسوف تنتهون ها هنا .. غدا
فالانحناء مرّ ..
الله . لم يغفر خطيئة الشيطان حين قال لا !
و الودعاء الطيّبون ..
هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى
لأنّهم .. لا يشنقون !
 يا من يعرف نهاية المدى أخبرنا، أرنا الهداية، غير مُختبَرين، كي نعبر للوجهة الأخرى، آملين بعنبر يفوح بين الطرقات، وحدائق تغلف التفاصيل، وراحة أُخبرنا بها غير مُجربين.

الوقت، الابتلاء الأعظم لمن هم سوانا، الاختبار الأكبر لكل العاندين. الوقت يهزم ولا يُهزم، يكسر أعناق من يجاهدون أنفسهم للخروج من سياق ما كانوا يومًا راسميه. الوقت، مع غلبته، يجبر المتكلم على السكوت، فما من طائل من الكلام، وما من حصاد للمُضي، فلنترك الناس كما هم، فالأفعال تتكرر، والأفكار تتواءم، ولا أحد يعبأ بمجنون، وحتى الشفقة تنتهي لحالها بعد حين. الكلام بلا طائل، فما من مفر عن مجاراة الأغيار، وإرساء قواعد المتاح حتى لا يخرجوا عن السرب. ولنكتفي نحن، المنتهون، بالمشاهدة .. في صمت .. فلا جدوى من إزعاج، ولا منجى من إغراق، ولا أمل من تغيير المسار.