تعال أوصلك لحد البيت، انت خدمتنا طول عمرك
ركبت عربية وحيد، زميلي في الشغل، أو كان زميلي في الشغل.. وقفنا كتير في زحمة صلاح سالم، قعد يرغي زي عوايده عن بيته ومراته ودوشة العيال. اليوم كان تقيل عليّ من كتر الناس اللي سلمت عليهم، وكلامهم عن هوحشهم ازاي بعد ما طلعت من المعاش. النهارده كان آخر يوم ليّ في الشغل بعد عشرين سنة في الشركة.
رئيس قسم المحاسبة في شركة بترول، على المعاش. فكرت أغير اليافطة النحاس على يمين باب البيت فوق الجرس.
بعرف إني وصلت البيت لما اسمع صوت مفاتيحي، بترن في على السلم ولا كإنها زفة بلدي. طول عمري بحب المفاتيح الكتير ومبتضايقش من كترها.
طول عمري كان نفسي أعمل مفتاح النور جنب الباب وافتحه أول ما ادخل الشقة، بس الله يسامحه الكهربائي اللي نسي يعملها وكسلت أعدّل البيت بعد كده.
مشيت الخمس خطوات بتوع كل يوم، فتحت النور وعيني جت ع السفرة الفاضية، النيش البني، وصورتي المتعلقة ع الحيطة لما كان عندي شنب وشعر على راسي.
لسه خشب الأرض بيزيّق كل ما امشي عليه، زي باب التلاجة لما يتفتح. غيرت هدومي، وطلعت في الصالة اتفرج ع التلفزيون بعد ما فتحت اللابتوب وقعدت في ركن الصالة اليمين.
كل ساعات البيت رنّت في وقت واحد عشان تفكرني إن الساعة حداشر ولسه البنات مرجعوش البيت..
الله يجازي وحيد، لولا إنه عرفني ع السايت إياه كان زماني فضلت كل ليلة بكلم نفسي، بس الحمد لله بقيت كل يوم بكلم ناس معرفهاش، نقعد نرغي في أي كلام، وهما فاكرين إن لسه عندي أربعين سنة.
سامر نجيب حنا، أربعين سنة، مهندس بترول إصابته في الموقع خلته يتنقل في الإدارة بعد ما عمل فلوس حلوة من الخليج.
نص ساعة وكانت مي بتبفتح الباب. عدت بسرعة، وموقفتش غير لما نادتها. ازيك؟ واتطمنتي على اختك؟ سؤالين ردهم بيكون بإشارة وهمهمة.
نمت يومها الساعة اتنين الفجر، كان عندي صداع وحاسس إني محتاج أنام. رتبت الصالة وعدلت فرش الكنبة. طفيت النور ودخلت أنام...
-----
لسه بستنى صوت المترو لما يعدّي زي العيال. مي بطلت تعمل لي الفطار من سنين، من بعد ما اتخرجت وشغلها في البنك بقى واخد وقتها. شغلت الراديو، وعملت كوباية الشاي اللي قبل الفطار. أول يوم يعدّي عليّ وانا عارف إن مفيش حاجة مستنياني. دفعت فواتير النور والكهربة، مفيش شغل متأخر عليّ ولا ميزانية متقفلتش، ولا بنت عايزة مصاريف مدرسة.
حتى صداع أمهم ارتحت منه من بعد ما ماتت، ولو إني ساعات باشتاق له أيام الأجازة.
اتفقوا الساعات إنهم يقولوا لي إن الساعة جت اتنين الضهر في وقت واحد. البيت بيتملي فجأو والدوشة تخلص في دقيقة. مسكت الأجندة اللي فيها التليفونات وكلمت قرايب مراتي، واللي لسه عايش من قرايب أبويا. سعاد وتريز لسه بيتخانقوا كل يوم، ومتسليّن بالكلب الابيض اللي عندهم.
متفقتش الساعات إنهم يتكلموا بعد كده، الوقت بيعدّي ببطء زي متولّي بتاع القهوة أيام الشغل.
نزلت القهوة أشرب حجرين على كوباية شاي تانية. محدش فاكرني هنا.
عمرك اتسرقت قبل كده؟ حسيت بجيك فاضي فجأة وساقعة مكان ما محفظتك كانت موجودة؟
أنا اتسرقت! شغلي اتسرق، وبيتي فاضي وبناتي مش معايا، مفضلش معايا غير صورتي مع ال3 بنات وأمهم. اللي اتجوزت واللي سافرت، واللي كإنها عايشة في لوكندة. محدش فيهم رفع سماعة التليفون يطمن علي بعد أول يوم ع المعاش. محدش فيهم مقدر إني فنيت نفسي في الشغل عشان خاطرهم. كل اللي هاممهم شكلهم وخروجاتهم واصحابهم اللي هيسيبوهم ولا هينفعوهم بحاجة لما يكبروا شوية.
دقة قديمة، وانت مش فاهمنا، وانت متعرفهمش.. 3 سكاكين بيرشقوها فيّ كل ما نتخانق...
عمري ما قلتلهم الاسطوانة المشروخة بتاعة "وانا بعمل كل ده لمين؟" لأ، أنا كنت بعمله لنفسي، وليهم. هما محتاجين الفلوس اللي كانوا بيصرفوا منها، وهما محتاجين البيت اللي عايشين فيه، وهما محتاجين السفرية بتاعة كل سنة.
أنا اللي محتاجهم دلوقتي، والنتيجة إني مش لاقي غير صوت كركة المية والكلاكسات اللي قاعدين معايا.
--------
أربع أسابيع ع الحال ده. دقني طولت، وهسيبها كده. وضبت الشنطة وركبت عربيتي، وطلعت على اسكندرية. لقيت إعلان كانت مي رامياه على حفلة هناك. اتفقت مع واحده عرفتها من السايت إننا نتقابل هناك ونحضر الحفلة سوا. عرّفتها إني ستنين سنة مش أربعين، عرفتها إني محاسب مش مهندس، وعرفتها إني أبو البنات، وسبت البنات وسبت عيشتهم.
فلوسي دي بتاعتي، هصرفها عليّ، البنات هيعرفوا يتصرفوا، مفضلش غير مي اللي لسه متجوزتش بس شغلها في البنك بقا ضهرها.
سبتهم، وسبت البيت..
طلعت اسكندرية، شفت البحر، وسبت اللي اتفقت معاها..
أنا هعيش لوحدي هنا، هبتدي حياتي من تاني..
سامر نجيب حنا، كنت مسافر، ولسه راجع من بره..
No comments:
Post a Comment