Sunday, 24 November 2013

ملاحظات ما قبل النفاذ

خمس دقائق تفصلني عن نهاية عمر بطارية هاتفي. أساليب النجاة: قهوة، موسيقى، ومتابعة الناس. قررت الكتابة عنهم قبل أن يصير الانقطاع عن العالم حتمي.

القهوة:
يعتقد البعض أن اختيار قهوتنا كاختيارنا لأنفسنا، ففي هذا الاختيار تحديدًا تبرز معالم شخصيتك ومعانيها. أما أنا، فأعتقد أن اختيار قهوتنا كاختيارنا لرفقائنا، أو إن شئت الدقة، لرفيقتنا. لم سأحتاج أن أبيّن لنفسي ما أنا عليه؟ فقط كل ما أحتاجه هو كوب يستوعبني ويكمل نقصي.
قهوة مركزة كي تعادل لحنك عن الدرب. نكهة مختلفة تزيّن حياتك. خفيفة تلهو معك في الصباح. جرعة مضاعفة عند حالات الحزن. نزع الدسم كي تغلف مظهرك الاجتماعي، وتحافظ عليه. جديدة تلهمك للمغامرة. تقليدية تؤسس ترتيب حياتك. أو، كبيرة، قوية، دون سكر يحليها، فهي كما هي، بطبيعتها، بقوتها، ولينها داخل نفسك، ومشاغبتها داخل عقلك، دون تكلّف، دون ادعاء.

الموسيقى:
نعمة هي ألّا تختار قائمة ما تريد سماعه، فالتلقائية تزيدها حلاوة. تجلس في مقهى، ترتشف قهوتك.. وتكتب.. بينما تأتيك نغمات عزبة، غير متوقعة، تغير من مجرى الكلام.

صمت.

اللحن دائما ما يحتاج لإيقاع كي ينتظم. هنا يكمن الإبداع، في تغيير النظم. رسمة تُبدَع دون ورقة أو قلم، فقط أترك لعقلك العنان. لا تصدق من يقول لك أنه يفهم ما تقوله له الموسيقى، كل ما يميزه أنه يستطيع سماع ما تقول له نفسه. تغيّر اللحن، نحن الآن في إحدى الضواحي اللاتينية. ألوان تتداخل بين الناس، مزاحمة لهم كي تصقل تفاصيل ما ينقصها كي تكون أسطورية، كي تكون حلم. تغيّر اللحن مجددًا، كي يعبر بك لموسيقى الكانتري كما يدّعون، وتكسب لوحتك بساطة وانطلاق مطلوبين... لم ذاك اللحن يدعو للابتسام؟ ..

متابعة الناس:                                         
متعتي المفضلة. أعلمهم جميعًا بأسمائهم. يخطئ من يزل يعرف الناس بنسبهم، بل الأصدق أن تعرفهم بحالاتهم.

المتمردة: جالسة وحدها عند ركن المكان. لا تلزمها موسيقى المكان فهي لا تقبل بالإملاء عليها في أي شيء. شاشة صغيرة تحملها كنافذة الهرب من ضغط ثقل عليها. اختارت أن تستريح هنا مدة كوب قهوة، كي تستجمع ما يلزمها لإكمال المسير. خوف جعلها تتوارى عن أعين المحيطين، بعين تختلس النظر إليهم. العلم يجلب الطمأنينة، المفقودة.

الهادئ: رجل كبر عمره، مخالفا لما تقوله دافتر الدولة. بطئ اكتسى عملية الراحة. اعتياد. صارت العادة هي ما تحكمه وتنير دربه. لا تلحظ بسمة عليه، ولا عبس. معتدل توسطت ردود أفعاله لما يحدث من حوله. فقد الاهتمام، لكنه اعتاد المسير. لا تسأله أبدًا ما يبدأ ب(لماذا؟) .. كل ما يملكه هو( كيف؟).

المجموعة: غريبة هي ملاحظة أنهم دائمًا على نمط واحد. أغلبية متحمسة، مع قليل راكز. أغلبية مرحة، مع قليل راكد. أغلبية بعضها يشبه بعضا، مع قليل مختلف، دون شبه. أهدافهم تبدو بسيطة لمن هو خارجها. خطة، أو مذاكرة، أو قضاء وقت. الهموم الكبرى ضلت طريقهم، أو لم تصل إليهم بعد. الأفضل أن يظلوا هكذا، لا يعلمون.

صانع القهوة: قد يكون هو الاستثناء، لم يستدل له على حال. ساقه قدره لصنع قهوة ما كان يومًا شاربها، لأناس ما كان يومًا يقبلهم. ابتسامة اكتسبها بعد تمرين. لكنة صاغها كنقطة وسطا بين الباقين. تعامل لا يصدر غير منه هنا، حيث أنه لا يجوز له العودة لدائرته كما يكون مع صنع القهوة. بدّل معاييره كي يرتقي، أو يسعد، أو كي ينفز خطة ما كان هو بضلع فيها، غير التنفيذ.

الناس كثير. الغامضة، والحالم، والمسرعة، ومن هو على عَجَل. جميعهم يشربون قهوة، ويسمعون لموسيقى.. وكلهم متابعون، ومتابعون.

أصبح النفاذ قريبا، وما زالت المتابعة مستمرة، وباقية.

6 comments:

  1. دع الخلق للخالق .... فما متابعتك الا تأملات حزينة.

    ReplyDelete
  2. فين الحزن في التأملات؟
    زائد أن التأملات تجلب الفهم، ولا نفضل ناقصي فهم بتقصير؟

    ReplyDelete
  3. نسيت توصف حالة واحد قاعد بيشوف الناس ويتأمل

    ReplyDelete
  4. التأمل يجلب الفهم .... والفهم يجلب الحزن.... ذاك مقصدى

    ReplyDelete