Sunday, 3 May 2015

استرسال

مزج أول: 
المجد للشيطان .. معبود الرياح
من قال " لا " في وجه من قالوا " نعم "
من علّم الإنسان تمزيق العدم
من قال " لا " .. فلم يمت ,
وظلّ روحا أبديّة الألم 
 لا أعلم إن كانت النهايات تصبغ حالة من الضمور على شاهديها، أم تطبع رؤية الأمور على حقيقتها، فيرسل لنا من يعاصروها نفحات صور النهايات، محذرين تارة، ومطلقين العنان لما في صدورهم، لا لشيء غير البحث عن مواساة متوارية، خاجلي الطلب، مُعليين الكرامة.

لا أتذكر من صارح الباقيين برؤيته لنهاية تشع نورا. نوعًا ما لا أصدقهم، فإما قد غلبهم التعب، أو غلبهم مراعاة ذويهم. أرى توصيف النهايات بالغمام عند كل من صار الوصف صنعته، فلا يقدر على مداراة - ما يراه حقيقة حينها - الوصف كما هو، غير مبالين بالآخرين. النهايات المشرقة تجذب الصغار، كاتبي الروايات. أن شئت دليلًا على هذا، فراقب ردود أفعال الناس حين يرون نهاية مفتوحة ولا أقل نهاية واقعية، أو نهاية كما ذكر "أمل" أو "درويش" في أواخر عهدهم. النهايات غير المصاغة تزعج العامة، فلا أحد يريد إزالة غض الطرف عن حلاوة ما تبقى، ممنّين أنفسهم بدوام أفضل عن من سواهم.

أستطيع توقع انزعاج من صادفه حظه، وإصراره إلى حد كبير، ممن يقرؤوا تلك الكلمات الآن، ولكن ما من مفر عن الحقيقة، غير حياكة لباس الزيف عليها.

( مزج ثان ) :
معلّق أنا على مشانق الصباح
و جبهتي – بالموت – محنيّة
لأنّني لم أحنها .. حيّه !
... ...
" سيزيف " لم تعد على أكتافه الصّخره
يحملها الذين يولدون في مخادع الرّقيق
و البحر .. كالصحراء .. لا يروى العطش
لأنّ من يقول " لا " لا يرتوي إلاّ من الدموع !
.. فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
فسوف تنتهون مثله .. غدا
و قبّلوا زوجاتكم .. هنا .. على قارعة الطريق
فسوف تنتهون ها هنا .. غدا
فالانحناء مرّ ..
الله . لم يغفر خطيئة الشيطان حين قال لا !
و الودعاء الطيّبون ..
هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى
لأنّهم .. لا يشنقون !
 يا من يعرف نهاية المدى أخبرنا، أرنا الهداية، غير مُختبَرين، كي نعبر للوجهة الأخرى، آملين بعنبر يفوح بين الطرقات، وحدائق تغلف التفاصيل، وراحة أُخبرنا بها غير مُجربين.

الوقت، الابتلاء الأعظم لمن هم سوانا، الاختبار الأكبر لكل العاندين. الوقت يهزم ولا يُهزم، يكسر أعناق من يجاهدون أنفسهم للخروج من سياق ما كانوا يومًا راسميه. الوقت، مع غلبته، يجبر المتكلم على السكوت، فما من طائل من الكلام، وما من حصاد للمُضي، فلنترك الناس كما هم، فالأفعال تتكرر، والأفكار تتواءم، ولا أحد يعبأ بمجنون، وحتى الشفقة تنتهي لحالها بعد حين. الكلام بلا طائل، فما من مفر عن مجاراة الأغيار، وإرساء قواعد المتاح حتى لا يخرجوا عن السرب. ولنكتفي نحن، المنتهون، بالمشاهدة .. في صمت .. فلا جدوى من إزعاج، ولا منجى من إغراق، ولا أمل من تغيير المسار.

Wednesday, 11 March 2015

سنترك العنوان لاحقًا

*كان أو ما كان - ورشة كتابة - مارس 2015*

قديمًا، كانت التعريفات هي جل ما أملك من حرفة. كنت الأمهر بين أخلائي في تعريف الأشياء، الأشخاص، الطباع، والدوافع. كنت الأصدق بينهم حينما يتعلق الأمر بالوصول إلى حقيقة الأمور وتحديدها.

كنت.. إشارة إلى ماضٍ بال، غير مؤكد عودته مرة أخرى.

مهارة اكتسبتها بسَمْت ساعد على ذلك. حدة عقل تباينت عن أقراني. خُلُق اجتذب إعجاب المعلمين والأقارب. نجاح دراسي نتج عن عمل دؤوب. شغف شخصي بتحليل كل ما تصل إليه أطراف إدراكي. تحسن مستمر في إصابة أنماط الأمور. جرأة - تزيد ما الوقت - في تجربة التعاملات، المعاملات، وتجربة الحظوظ.

فقدان سيطرة لاح في الأفق. فقدان اهتمام صار عنوان الكثير من الأوقات. سلسلة من الإحباطات صارت تزين معالم الطريق، أي طريق. سعي نحو النضوج - أظن أن المراد تحقق - ولكن يومًا ما كنت أحسب أن الثمن سيكون حالة غير مرضية، غير شافية، من رؤية كل أمر غير مُوصل إلى أي تغيير، كائنًا ما كان.

"في البدء كان التيه ... بلا انتهاء" قد تكون أصدق مقولة، أو يقين، وصلت إليه. لكن، مراعاة للآخرين، أحجب هذا قدر المستطاع عن الغير، شفقة بهم، وبي.

بدلًا عن هذا، أخذت في تجميع ما يمكن أن يقال.

شاب في أوسط عمره، التحليل والترتيب هما مهاراته. عمل - لا يعنيه لذاته - صار مسئولٍ على الجزء الأكبر من حياته. هوايات يتناولها بين الحين والآخر كي تشغل الوقت في أي حديث جانبي. محاولات على استحياء كي تعيد فترة قد مضت، بلا جدوى. سفر بين الحين والآخر، يُصبَغ عليه تجارب الأغيار.

أمل زائف، عند ضيق الحديث.

أشهد النهايات، المحاولات، وباقي الأمور. الأحاديث متكررة. لم يستطع أحد أن يأتي حتى الآن بحل لكل هذا، وأنا الأمهر.

كنت منهم، صرت وحيدًا، ويصعب الأمر مع الوقت.

الوقت يمضي، والاختبار الأصعب هو المضي معه..

عمى ألوان

*كان أو ما كان - ورشة كتابة - مارس 2015*

يومها قرر إن ده مش هيحصل تاني..

دوشة عيال كتير بتجري ورا بعض، تراب مالي المكان بلون رمادي فاتح غطى على باقي الألوان الموجودة. حر صيف شديد مش فارق معاهم. عيال متلمين حوالينه عاملين عليه حفلة، وتريقة عليه عشان مشكلته.

المدرسين اتلموا عليهم، ومشوا كل واحد بعيد. كلام كتير شبه بعضه بقى بيتقال له. معلش، انت مش لوحدك، انت كويس، هتعرف تكمل حياتك، معلش.. هنكلم أهلهم... 

يومها قرر إن ده مش هيحصل تاني..

عرف يكمّل دراسته، وجواه وجع من اللي كان بيحصل.

عشان تغيير ظروف زي دي، أدواتك معروفة.. غيّر المكان اللي انت عايش فيه، غير صحابك، غير طريقة كلامك، خبّي مشكلتك على أد ما تقدر، لف حواليها، ولو اضطريت تواجه مشكلتك قدامهم، مش مشكلة.. اتكلم عنها في شكل تهريج وهما مش هياخدوا بالهم إنك بتتكلم جد، أصل كل اللي عايزيه إنهم يضحكوا وخلاص، فاكرين إنهم أحسن من غيرهم. لو الدنيا زنقت عليك، لازم تلاقي حد يقدر يساعدك، حد مينفعش يفك ربطته بيك. ابني حكاياتك اللي الكل لازم هيصدقها، وخلي في جيبك كام حدوته تثبت بيها روايتك..

الحيلة الأخيرة اللي لازم تتعلمها إنك تتوقع اللي ممكن يحصل، عشان تبقى دايمًا سابقهم بخطوة.. 

كنت فاكر إني أشطر واحد، لحد ما جه اللي مكنتش متوقعه..

فضل مكمّل حياته زي ما كان راسمها، بيهرب من كل كلام ممكن يقربه من مشكلته، ناجح إنه يعمل كده، ووقت ما يتزنق، بيقلب القعدة ضحك وهزار عليه. بقى من أكتر الناس المحبوبة في شغله، من كتر حكاياته وحواديته.. كل شوية كان بيفتكر اللي كان بيحصل له في المدرسة، وده كان بيخليه يفكر في حيّل جديدة يخبي بيها مشكلته.. عشان يومها قرر إن ده مش هيحصل تاني..

عشان تغير ظروف زي دي.، أدواتك معروفة.. إكدب.. ببساطة شديدة، من غير تحوير.

هل هنعرف نكدب على كل الناس؟ .. سؤال إجباري (خمس درجات)

كنت فاكر إني بقيت أشطر واحد، من كتر ما الناس بقوا مصدقين اللي بقوله.. ما عدا يومها..


Saturday, 24 January 2015

دخان داخلي

ثلاث عدات تفصلنا عن البداية..

كعادة ملوك الرومان.. يستيقظون بإصدار أحكامهم.
اليوم مظلم.. أرأيت نورا؟

يتفقّد أمير إشبيلية أحوال الرعية. لم يتناولون الخبز دون العمل؟ لم لا يدرون نعيم السكون الذي أردته لهم؟ لم يتقدم 'أوكسليو' بجيوشه نحو غابات الكرز؟

أميرة ڤالنسيا مترفة. لا تتحقق حقًا من جنبات يوم كهذا. لا تترجل بين الحقول. لا تكترث بأصول الأمور. 'كرستينا' ناعمة منعّمة، بلا حق..

العبيد كثر، ونحن منهم. الأمراء كالأساطير، والملوك كآلهة أوليمب مقدس، لا تدركهم أبصار، ولا تناوبهم هموم.. الهَمُّ لنا، وحدنا، دون باقي القصص.

الخبز، الخمر، وحفلات السمر. رقص، ونغم ارتسم بنغمات سبع، بتصويراتهم.. حقل كرزٍ نرتقب حصاده، غير أنا الحصاد حق أولي النِعم.. ولسنا منهم..

هضبة عالية، ترسم حافتها نهاية مرجوّة.. غير أن النهاية لسنا كاتبيها، بل أبطالها..

قهوة تقدّم لك دون غيرك كي ترتشف نسمات استفاقة طالما أردتها، لكنك أبدًا لم تدركها.. السأم واليأس مرادفان، بغير معنى..

الوقت، الحظ، والشعور.. مكنونات صدر اختنق، وضاق صاحبه بما احتوى.. أناس حاوطوك بأشكال حياة تعلمها، ولم تتفاعل معها.. الوقت ينفذ، والحظ يفلس، والشعور يتوارى بين طيات مسؤولية وظروف.. يخبروك أن التحكّم نجاة، وأن التروّي اخيار، وأن الحياة اختبار.. بئس ما كانوا يرمون إليه.. أو بئس ما كنا نحن نريد..

ثلاث نقاط، ثلاث دقّات.. ودخان يتصاعد بين حواشي أفكار تتصارع بين مثال وواقع. بين قرار ورغبة.. بين أمل و.. وما هربت منه المسميات، فلا طائل، ولا مرغوب..

كلام مرسل غير زي معنى.. غير مفهوم.

Wednesday, 7 January 2015

نهايات قبل أن تبدأ

سأم عام من اختيارات القدرات الخارقة المعتادة. القدرة على الاختفاء، تحليق بفضاء، تواصل عن بُعد، قراءة ما بالخُلد، أو الخُلد نفسه.. كلها اختيارات معتادة، ومتوقعة. أما أنا، فلا أدري أهي لعنة أصابتني.. أم حظ عسر.. ولكن ما عندي هو إدراك النهايات.. وحضورها.

يوم كهذا، غابت عنه الشمس، وتركه الأخلّاء.. أو تم إبعادهم، يوم كباقي الأيام في وحشته؛ لا مفر من جلبته لأحاديث ومراجعات كتلك التي تراودني كل حين. أنظر حولي، فلا أجد غيري ممن أعرفهم، وإن كثروا. يوم أجادت فيه الطبيعة صبغة طبيعتها القاسية، نوعًا ما، على أطراف تفاصيله وقصصها. أتساءل عما حدث، وأنا أعلم.. ترى، هل من جديد في يوم آخر؟

"فاقد الشيء لا يعطيه" .. أتفق تمامًا مع هذا القول، أراه عين الصواب والمنطق. لكن.. تناسى الناس الحديث عن مفتقد الشيء. هذا البائس، الأكثر علمًا بحاله، من انفض الناس من حوله لثُقل حمله. هذا العَسْر الذي طالما فهم ما يمر به الآخرون، دون أن ينجحوا في ملىء دورهم بالقيام بالفعل نفسه تجاهه. لا ملامة على الناس حقًا، فالفهم ليس بواجب، ولكن القدرة مناط التكليف كما يقال، وما استطاع أحد أن يقدر على هذا كله.. ترى، ماذا يفعل أحسن الأطباء حين يصيبهم الداء ذاته؟

السعي وراء الحكمة. هذه غاية المريدين. وجهة العقلاء، أو المُدّعين. قبلة من ارتضى لنفسه نهج الحياة المصاحب بغير اطمئنان. الآن أرى أن الحكمة هي راحة غير الحكيم. الحكيم هو من حصّل الحكمة بالتجربة تارة، أو بالإلمام بقواعد اللعب.. ومجددًا، هذا درب بغير ذي راحة، جنة عظيمة يزرعها الحكيم، ويقطف ثمارها الآخرون. ترى، هل من شرف في هذا؟ هل من دوام في الفناء؟

أيًا كانت الأسباب، فالنهايات صارت لي متوقعة. أستطيع التقاطها وتتبع آثارها عن بعد. مهارة عظيمة تصيب من هم مثلي. تختار من دون الناس من هم على قدر كبير من الحدْس تجاه تلك الأمور. قامت البشرية على تواصل المعلومات والخبرات بين الناس والأجيال.. تراكم ملهم من تلك التجارب، هكذا هي الإنسانية كما عرفناها. ترى، ما ذنب الرُسل؟

النهايات معلومة، خاصة حين تكون حول البشر، وقصصهم. فقدان الاهتمام مبدع في التعريف بذاته. يُحسن، دون غيره، في التلويح من الأفق. يسرع بالإذعان عن أي محاولات مديدة في تغييره. عادة لا نملك التحكم في مشاعرنا تجاه الأمور. جَلّ ما نفعله هو إعادة ترتيبات الاعتياد، والاعتياد يجلب بدوره مشاعر جديدة من الممكن استبدالها بسابقتها. لكن، الحق، أن هناك من المشاعر ما يتبدّل دون تدخل منا. هذا هو الحظ، أو القدَر إن شئت. لا يأتي بغير الدعاء، أو الانتظار. ترى، ما يجب علينا فعله حتى تتم الإجابة؟

لا أعلم من هو صاحب خدعة أن الخير ينتصر في النهاية. صاحب هذا لعين ملعون من كل من آل بهم الأمر بغير ذلك.
أذكر ثلاث أمثلة لهذا الانتصار المزعوم. (سؤال إجباري).

لكل عظيم نهاية. ولكل كبير سقوط. ولكل قائم زوال. هكذا اعتدنا الحياة، واعتدنا الكلام المصاحب لتلك التحوّلات. القدر، الخير، الانتظار، الوقت، التعلّم، الخبرات، والحَمد... نحن فقط نتحرك في فضاء تلك التغييرات، دون سيطرة أو تحكّم. ترى، هل نكمل لعب ادوارنا المرسومة، أم نقف حائرين؟

الحقيقة صعبة، مُرّة، غير مستساغة.. ولكنها حقيقة. نحن هنا، كأي حُلم، لمن ندرك البداية، نُسَيَّر بالأقدار، والنهايات متوقعة. ترى، هل نخفي هذه الحقائق، أم نتجاهلها؟

الاعتذار واجب، والنهاية قائمة... ترى، ما يجب فعله؟