Sunday, 16 June 2013

القدرة على البكاء

أكتب هذه الكلمات مستمعًا إلى رائعة راجح داوود "بسكاليا" .. إن لم تكن تعرفها، فهي الموسيقى التصويرية لفيلم "الكيت كات". هذا العمل الذي ربما لم تشاهده كثيرًا، أو لم تشاهده غير مرة واحدة، وليس بشرط أن تكون تلك المرة مكتملة. لكن مع كل ذلك، يظل هذا العمل محفورًا في ذاكرتنا، وجداننا، عقلنا، أم روحنا؟ .. لا تدري هل هذا لما يحمله من شجون يعبّر عمّا بداخلك، أم عن واقعية افتقدناها، أو تناسيناها، أم هو بشكل ما أجبرك على أن تترك روحك الناعمة بالآمان، وتسرّب إلى أعماقك كاشفًا ما تحمله انت من حزن.

أكتب هذه الكلمات مستمعًا إلى "بسكاليا" لا لغيرها، فهي الوحيدة المناسبة لحالي الآن. وحيدًا لأسرة مسافرة. وحيدًا لأصدقاء شغلتهم حياتهم الخاصة. وحيدًا لرفيق لم يحن وقته بعد. وحيدًا بين كل أفكاري وأشباه أحلامي، أو للدقة، ما تبقى منها. لا أعلم لم قرر راجح أن يجعل "الأرغون" هو مبتدىء المقطوعة، وناهيها. صوته الجنائزي يجعلك تنصت لقدرك. يجبرك على الاستغراق في كل ما شغلك من هموم تناسيتها. يعلن بصوته المميز دخولك حال جديد. حال يجعلك تطلب البكاء طلبًا، لكنك أبدًا لن تجده.

ينعم البعض بقدرتهم على البكاء، والتباكي حينما يريدون. يبكون فرحًا، وحزنًا، وطلبًا لرفقة. يبكون تأثرًا، وتفاعلًا، وأداءًا لواجب. يبكون صباحًا، ومساءًا، ووقتما يريدون. يبكون وحدهم، ووسط الجموع. يبكون انتصارًا وهزيمة.

دائمًا ما يكون البكاء على حالك هو الأصدق.

صدق من قال أن البكاء يريح، ويزيح. فهو إعلانك رسميًا عن ضعفك، واستسلامك لقدرك. هو إعلانك عن الوصول لما لم تكن تحلم به، فرحًا، أو ندمًا. هو إعلانك عن فترة توقف عن كل فعل، فقط تريد أن تبكي. تريد أن تتوقف للحظة كي تستوعب. تريد أن تتوقف فترة كي ترفع عن كاهلك حملٌ أنت وحدك تعلم ثقله. أنت وحدك تعلم كم كان قاسيًا، غير رحيم. أكمّ من المرات التي حزنت على نفسك لما وصلت إليه، فلم تجد غير دموعك رفيقًا، ومُنجي كل حبيس. لم تجد غير دموعك تواسيك حالك، وتشاركك وحدتك. لم تجد غير دموعك تفهمك، وتدرك تمامًا ما أنت عليه. تأتيك وتصحبك وقت الذروة حين تركك كل محيط. تأتيك بسلام وهدوء حتى تخفف عنك. أيضًا تتركك بسلام، ولكنها دائمًا تأتيك كل حين.

دائمًا ما يكون البكاء الصامت هو الأكثر إيلامًا.

لو كنت مثلي، لرأيت كل الأشياء من مسافة متساوية. أترى، هل يروني كما أراهم؟ لو كنت مثلي لرأيتهم في أصدق صورة وهم يبكون. كل القلاع الحصينة تنهار مع أول قطرة دمع تهوى إلى مصيرها. تسقط من أعلى برجها العاجي، متهاوية إلى أكثر الدروب ظلمةً. مستأنسةً بكل القصص التي لم تستطع البوح بها. تسقط من أعلى مختلطة بكل ما شعرت به ولم تقدر على وصفه، أو آثرت أن تتركه يعذبك وحدك، كنوع من تربيتك لنفسك. تأنيبًا لها على ذنب لم تقترفه، وخطيئة آتيت بها.

لو كنت مثلي، لرأيت كل من يستطيعوا البكاء، وشكرتهم، وهنأتهم. فهم وإن كانوا أقل منك تماسكًا، فهم أكثر منك حياة. على الأقل استطاعوا أن يعبروا عمّا بداخلهم، وأسقطوا قناع الصلادة الذي يعتريك. لو كنت مثلي لتمنّيت أن تعلم كيف يفعلونها. فهم إن لم يجدوا بكاءًا، يتباكون. أما أنت، فلم تستطع على هذا أو ذاك .. فقط كل ما تقدر عليه هو الكتابة عنهم.

سوف تخبرك "بسكاليا" عن باقي ما لم استطع البوح به ..



No comments:

Post a Comment