Thursday, 13 September 2012

عبث الطفولة

تناثرت الدمى من حوله ... يتناول الواحدة بعد الأخرى، يقلبها على وجهيها فيقارن التفاصيل، يجربها تارة و يكسرها تارة أخرى، لتصبح دميته الجديدة المصنوعة من أشلاء و حطام هي أقرب دُماه إلى قلبه، ليس لأنها ذات الخصائص الجبارة، و أيضًا ليس لتفردها في ما تقدمه، فكل من يعرفهم يفعلون مثله تمامًا.

أبناء الحي ذاته بفعلون الشيء نفسه، يقلّبون و يكسّرون و يصلحون الدمى، منهم من يستطيع شراء دمية جديدة بماله، و منهم من يلتزم بتعاليم جدودهم في كيفية اللعب بها، و هؤلاء يلتزم أبائهم أيضًا بتعاليم الجد، فلم يكن لديهم القدرة على ابتكار طريقة جديدة للعب.


توجد رواية متواتره بين أبناء الأحياء المختلفة أن هناك لعنة أصابت أبائهم في الصغر، حيث أنهم أصبحوا يرهبون تجربة طرق اللعب الجديدة، لكن لا أحد يعرف حقًا ما هو السبب. يقول أحدهم أنه الاتفاق الذي تم بين الأجداد بأن لا يقترب أحد من الآخر؛ فليست طرق اللعب كلها تناسب جميع الأحياء، و ما أن يشرع أحدهم بتجربة هذه أو تلك إلا و نهروه و رهبوه، فهذه ليست من عادتنا، و تلك لا تناسب طريقتنا، هذه إياك أن تقترب منها، أتريدهم أن يسخروا منك و تصبح مزحتهم طيلة الشهور القادمة، أم أنك تريد أن تجلب العار لنا، أبعد ما آتينا لك به تريد أن تترك هذا كله و تذهب إليهم، كل ما تريد أن تفعله موجود بالداخل، اذهب و قلّب و كسّر كما شئت، و لكن بداخل تلك الغرفة التي خصصناها لك، تلك الغرفة التي بنيناها كي تلعب انت بداخلها، بداخلها تستطيع تخيل كل ما تشاء و تفعل ما يحلو لك، لكن إيّاك و أن تذهب إليهم.


أبناء الحي نفسه يفعلون الشيء ذاته. الكثير منهم يتبع أبائه، حاول البعض الخروج من تلك الغرفة التي خصصت لهم، و لكنهم لم يستطيعوا مجابهة مجلس العائلة الذي إنعقد من أجل محاكمته. آخرون استطاعوا الهرب من ذلك المجلس، لكنهم أيضًا أصابهم الفشل، لكنه الفشل في الاستمتاع بالدمية الجديدة، وجدوا بداخلهم تعلقًا بتلك الغرفة، لا يدرون كيف و هي تلك الغرفة المظلمة المنعزلة عن الحديقة الواسعة في وسط الأحياء كلها، لا يدرون كيف انبعث فيهم الشعور بالخوف من سوء المصير، مع إنهم الآن يرون هؤلاء الأبناء القلائل المستمتعين بالحديقة الغنّاء، فكلهم استطاعوا الهرب من مجالس العائلات التي انعقدت لهم، و مع ذلك وجدوا الحنين بداخلهم لتلك الغرفة التي يعرفونها جيدًا، فكل حكايات الأباء عنها.


تناثرت الدمى من حوله ... يتناول الواحدة بعد الأخرى، يقلبها على وجهيها فيقارن التفاصيل، يجربها تارة و يكسرها تارة أخرى، لتصبح دميته الجديدة المصنوعة من أشلاء و حطام هي أقرب دُماه إلى قلبه، ولكنها تحمل صبغته هو، ففيها يجد حلاوة تخلصه من رهبة الخروج من تلك الغرفة، فيها يرى تجربته هو في صنع دميته، فهو يعلم أنها ليست الأجمل ولا الأكثر متعة بينهم جميعًا، و لكن لأنه يرى فيها دليل اختلافه عن باقي أبناء الحي، فبها عرف أنه لا ينتمي إلى تلك الغرفة.

6/9/2012

عندما تعشق الشوكولاتة

هو ايه يعني اللي هيحصل لما تعشق الشوكولاته؟! .. أكيد مش هشتري الجلاكسي اللي بشوفها في الإعلان، ولا مثلا هلاقيني مصاحب بنت زي اللي صاحبها "اللطخ" حاسبها على البطاطس، ولا أي حاجة حلوة من اللي بنشوفها في الإعلانات دي.

حاجات كتير أوي حوالينا بقت عاملة زي الإعلان ده، بيتم سحلنا بالعصا مقابل جزرة مستحيلة المنال. عذاب دراسي في كلية، و برضه مش هتبقى مهندس. انتهاك آدميتك في شغلك، و برضه مش هترتاح في باقي حياتك. هتبيع اللي وراك واللي قدامك، و برضه مش هتعجب أهل مراتك؛ و أمثلة من دي كتير.

اللي يعرفوني مش هيبقى غريب عليهم لو فضلت ألعن و أسب في الرأسمالية و كل مظاهر الحياة المادية اللي حوالينا. الموضوع معايا أكبر من الوظيفة اللي بنسمحلها إنها تمثل أكتر من 85% من حياتنا باختيارنا، و احنا عارفين إننا مش مبسوطين. الفكرة توغلت في كل تفاصيل العلبة اللي عايشين جواها. مين قال إن خروجتك كل أسبوع في "اسبكترا" هي دي اللي هتخليك مرتاح، على فكرة ولادك لو دخلوا مدرسة الحياة مش شرط يبقوا متربيين، العربية الجديدة بتاعتك هتنسى حلاوتها أول ما تطلع كوبري أكتوبر، و هكذا في كل ما هو حولنا داخل عجلة الهامستر اللي بنتدحرج و نتشقلب فيها.

طب ما تيجي نشوف السياسة أخبارها ايه معانا. الوضع في السياسة يحتوي على كم أكبر من مشاهد الكوميديا السوداء، أساسا عجالات الهامستر أكبر من العدد. بذمتك، هل لاحظت إن معظم الناس بيفضلوا طول الخط في اتجاه نقدي واحد، اللي ضد الإخوان هيفضل ضدهم على طول الخط، و مدعي المرجعية الإسلامية هيفضل غير متقبل الليبرالي على طول نفس الخط اللي فات. الفكرة إن كلا الطرفين بالشكل ده مش هيوصلونا للنتيجة اللي بندعيها و عايزين نوصلها.

للأسف أصبحنا نتمسك بالأشكال و الشكليات و الكماليات و نسينا الأصول. عندنا مشكلة كبيرة في مصداقيتنا مع نفسنا؛ لا السعادة في أكلة، ولا الحرية في الشتيمة على الملأ، ولا نصر الدين هيجي بالدراع و 'هو كده' .. من الآخر لو الواحد واعي عمره ما هيفضل يشتري الشوكولاته عشان البنت الحلوة اللي في الإعلان، ولا هيجيب العربية عشان يمشي بيها في شوارع سيسيليا اللي عمره ما شافها بعينه.

كفانا إدعائات و زيف في حياتنا، و يا رب نرزق فهم الدنيا على حجمها و مقامها الطبيعي.


11/8/2012

نعم فقدنا النخوة!!

أكتب هذه الكلمات بما أمتلكه من معرفة ضئيلة بقواعد العربية الفصحى، أكتبها و لا أدري إلى أين ستُفضي الكلمة بعد الأخرى، أكتبها و قد رأيت الحزن عنوانًا لي و لك و لنا جميعًا، عنواننا تجرد من كل معالم النخوة و الرجولة و كل تلك القيم التي كنّا جميعًا نتدارسها في الصغر، و لكن لم يأبه أحد بمعايشتها لنا عبر لحظات عمرنا المختلفة. دعني أحدثك عزيزي لما ثارت في عقلي تلك الكلمات و لم تجد مخرجًا من مأزقها إلا مشاركتها مع من قد يفهمها؟، بل دعني أقول أنها في رحلتها بحثًا عن درب تكون هي مشكاته و نبراسه.

أصبح الآن من أكثر الأسئلة إحراجًا هي سؤال الولد لأبيه عن كيفية وجوده و خلقه، أو تلك الاستعلامات عن فلسفات الدنيا الكبرى و ما إلى غير ذلك. و لكن لم ينتبه أحد بأن هناك من الأسئلة ما هو أكثر إحراجًا و أكثر وشمًا بالعار. يا قارئ تلك الكلمات هل في يوم من الأيام وجدت إجابة لسكوتك و هونك و ضعفك و خنوعك أمام واجبك في الحفاظ عن ما كنا عليه؟ .. بل دعني أسئلك أولًا، هل تعلم كيف كان أجدادك؟ أعني أجداد أجدادك، هؤلاء القوم الذين كان أغلبهم يعرفون و يعيشون معاني الرجولة و النخوة و الأُمّة و الحضارة و ما إلى غير ذلك من مستلزمات الحياة. لم يكن من مستلزمات حياتهم فقط ما هو زيت و سكر و خبز و عجل يتناولونه بين الحين و الحين. من أتكلم عليهم كان شرفهم و عزتهم أعلى و أهم مما نحن نلهث ورائه الآن. من أحدثك عنهم كانوا يثورون في لحظة إن مسهم طائف يحاول التقليل من قوتهم و مبادئهم.


إن كنت من المحظوظين و رأيت بنفسك ما تركه أجدادك في الأندلس، أو لو كنت ممن هم أكثر حظًا و علمت و عرفت عن التاريخ هناك، و عن الحال التي كنا عليها، ستعلم أن في لحظة ما فضّلوا ما كنزوه من مال و بيوت و أراض و دكاكين، كان ذلك أحب و أزكى من شيء كحفظ دينهم على سبيل المثال. لا أعلم الكثير، ولكنّي أستطيع أن أقول أن لو كان هناك من "الرجال" من يقوم و يستنفر ما تبقى من بين قادة العرب لكان تبدل الحال.

تركوها و تفرغوا لما يلهيهم من مشاغل حياتهم اليومية، و أصبحوا يعظمون لما بين أيديهم من مشاكل ضحلة، خشية أن يفيقوا و يدركوا حقيقة ما فرّطوا فيه. هذا حال كل ما يطلق عليه تاريخ، فيستمر إنحدار القيم و تتفيهها، و يزداد تشويه كل المحاولات إصلاح ما تبقّى. أقتصرت الرجولة الآن على ما يبذله الشاب لإثارة إعجاب معشوقته، و تمحور النجاح حول ما يملكه المرء من مادة. أيدري الجيل الجديد -و نحن في نفس السياق- ما عليه من واجب، و ما أمامه من عواقب؟ ... أتتعجب من مبالغتي في هذا الأمر؟! .. فلتتذكر عدد المرات التي مرت أمامك أخبار الحروب و المجازر في الشيشان و كوسوفو و غزة و حمص و ما إلى غير ذلك. استطاعوا أن يهوّنوا و يضعوا مكانة ضئيلة لأخبار كتلك التي تمر علينا كل يوم. نحن اليوم محاطون بأنفسنا و غيرنا، ممن فقدوا النخوة و العزة، ممن أصبح عليهم بذل جهد مرير حتى يستطيعوا الشعور بأي واجب تجاه تلك القضايا و تلك الغاية، ممن أصبح من الصعب عليهم أخذ قرارات تخالف الواقع الخامل حولنا. ذلك الواقع المشوه، الواقع الذي صنعته الأطماع و الأحقاد و حب النفس و الإستغراق في المادية.

يومًا ما كانت الإشارة بأن لا يجب على المرء الشعور بمسئولية تجاه أمور التي تمسه شخصيًا جريمة. أما الآن أصبح ذلك هو الطبيعي، و غير ذلك هو الجنون بعينه.

بالتأكيد لا أريد تعميم، فلسنا جميعًا موتى، و لا نحن جميعًا على نفس القدر ... و لكن كما قلت سابفًا، لعل تلك الكلمات تجد دربًا تنيره.



15/7/2012

Wednesday, 12 September 2012

أسئلة ممزقة

هل من الطبيعي أن يقف المرء حائرًا في منتصف الطريق، لا يدري أي وجهه يجب أن يتبع؟ ... أهذه هي الحياة التي وعدونا إياها منذ الصغر؟ ... أهو العدل أن يجد الإنسان نفسه شاردًا ممزقًا بين عُرفٍ وجده، و بين حق اعتنقه؟


هل ابتلائنا في هذه الدنيا في أن نتخلى عن كل ما سوف نجده من مسلمات حولنا، في قدرتنا على تحدي ما هو منطقي عند البعض؟ ... أيجب أن تكون حياتنا ما بين صراع و شقاء و جدال و لوم و عتاب و تشديد و ترغيب و توجيه و إرشاد و مراجعة و محاسبة دائمة بين المرء و نفسه؟ ... أيجب أن تكون الحياة دائمًا تفضيلات و مفاضلات و اختيارات و حسابات؟ 



قالوا لنا أنها دار الإبتلاء، فهل الإبتلاء دائم؟ ... حدثونا كثيرًا عن من سبقونا، فكيف كانوا يحكمون؟. كيف كانوا يهتدون بين كل هذه المساحات الرمادية؟ ... أعلى الإنسان أن يكون دائمًا صارمًا حازمًا عالمًا بأمره ووجهته، أم عليه تقبل التيه و الضلال لفترة؟ ... أحقا هناك من يعلم دائمًا الإجابة الصحيحة، أم هم مجرد أشباه و أشباح يدّعون ذلك من نقصهم و ضعفهم؟



هل تراودهم تلك الأسئلة الممزقة الغير مرتبة، ألا تعبر بذهنهم أبدًا؟ ... أم هي فقط من نصيب قليلي الحظ، من نصيب مَن قرر أن يعرف، و قرر أن 
يجتهد؟ ...

9/7/2012

حِلمك

40% من الناس حضروا برامج و محاضرات عن إيجاد و تحديد أهداف
80% من الناس سمعوا عن موضوع الوصول إلى حلمك
5% منهم وصلوا و حققوا أحلامهم فعلًا
10% من الناس غير مقتنعين أنه يمكن أن يحدد الإنسان هدفه في الحياة

كل هذه إحصائيات واهية، فارغة، لا معنى لها، تم تأليفها الآن فقط، بس ممكن نسمع زيها في المحاضرات. أنا شخصيًا ليس لدي أي إعتراض على أي إحصائيات زي دي، أو أي محاضرات بتتكلّم عن تحديد الأهداف و الأحلام، الموضوع كلّه إن كان عندي معضلة واحدة فيها.

الإقتناع. أعتقد أنّه من حيث المبدأ سهل إن الواحد يضع خطوات لتنفيذ شيء معيّن، و يضعها في إطار زمني محدد، بعد كده ينفذها و يمشي عليها .. لكن أغلب الناس بعد أول خطوتين مش بيكمّلوا، و أغلب الظن أنه بسبب عدم الإقتناع الكامل بما قد تم تحديده من أهداف. الإنسان في الأغلب مش بيجري و يبذل أقصى مجهوده في حاجة إلّا لو مقتنع بنسبة كبيرة بها، يعني أنا ممكن أكون متعاطف مع قضية الرفق بالحيوان، لكن عمري ما اتحرّكت في الموضوع ده لعدم إقتناعي الكامل بالموضوع، و شايف إن في حاجات تانية أهم، و دُوريفيها هيبقى أكبر.

في أحد المحادثات مع من أثق في رأيهم، تم التطرّق إلى نقطة مهمّة، أن أغلب الطرق التي تلقى للناس لتحديد أهدافهم هي في الأصل تطبّق على الشركات و الهيئات. ببساطة كده، إن الشركة تحدد أهداف ليها عايزه تحققها خلال السنة أو الخمسة اللي جايين دول، بعد كده تقسمّها إلى أهداف أصغر، فأصغر، و تضعها في إطار زمني، ثم تُقَسّم على الإدارات المختلفة داخل الشركة. المنهجية دي بتكون سهلة و فعّالة في الشركات، لأن كل شركة عارفه ما هو المنتج اللي بتشتغل فيه، بس الإنسان مش كده، الإنسان بيحتاج حاجة تانية.

الغاية. كل الناس اتولدوا و كبروا لقوا نفسهم بيعرفوا يعملوا حاجات معينة، في ناس اتقالهم إنتَ عايش عشان تشتغل و تجيب فلوس كتير، و إنتِ عشان تتجوّزي و تربّي العيال ... بس للأسف قليل جدًا اللي بيبقى عارف هوّ أصلًا عايش ليه. بعض الناس في خلال بحثها عن غايتها و المراد منها في الحياه تقف عند كلمة إِعمَار الأرض. أنا مقتنع بإن ده هو الغاية الأساسية، و الخطوط العريضة، و اللي ربنا سبحانه و تعالى قالنا عليه من غير ما نبذل فيه مجهود ... و لهذا، أكيد دورنا في إننا ندوّر عن هنقدر نعمّر الأرض دي إزاي.

في ناس محظوظة بيبقوا عارفين من بدري ايه الحاجة اللي بيعرفوا يعملوها كوّيس أوي، و لو فضل يعملها طول عمره ولا هايزهق، بالعكس .. هيبقى مستمتع جدًا. في ناس أقل حظًا، لسّه بتدوّر على الغايه من وجودهم في الحياة، و مربّع التمَيّز ده، و هنا يدخُلّوا أحد المُهَندَمين يكلمّه عن تحديد الأهداف، كويس، بس لغياب الغاية بقى أي طريق يوصّل لأي حته، و للأسف الإنسان بيكمّل بكل مجهوده في الطريق اللي مقتنع بيه، و لو غاب الإقتناع هتغيب الهمّه و هيغيب التمَيّز.

تحديد المُراد من كل واحد مش أسهل حاجة، إن لم يكن أصعبها، لأنها تتطلّب مجهود كبير في إستكشاف نفسك، و معرفة إنت أصلًا تقدر تعمل ايه. ايه القضية اللي إنت مستعد تضحي بحاجات كتير أو كل حاجة عشانها، ايه الموضوع اللي بتتكلّم فيه أكتر من غيره، أنت تقدر تعمل ايه، و في نفس الوقت مجتمعك و بلدك و أُمّتك تكون محتاجاه، مش شرط مثلّا عشان اتخرجت من كليّة معينه أشتغل في نفس التخصص، لإنّي ببساطة ساعة اختيار الكلية لم يكن لدي الوعي الكافي بمتطلّبات المرحلة دي، أو عارف بالظبط أنا دُوري ممكن يكون ايه. ايه الحاجة اللي أنا دايمًا شايف نفسي فيها، و متخيّل الصورة الكاملة و أنا جوّاها، و أسئلة كتير تانية الواحد بياخد وقت في إجابتها بصراحة و باقتناع.

الخلاصة. أنا بقيت مقتنع إن مش لازم الإنسان يضغط على نفسه لتحديد رؤيته، و أهدافه في الحياة، و هوّلسه مش عارف المُراد منّه، و الغاية من وجوده، لأنه ساعتها هيبقى بيحط خطة لشيء ليس له تَوَجّه.

المهم الإجتهاد في تحديد الغاية، و ساعتها كل الأهداف هانلاقيها مخططه و مرتبه بكل سهولة.


8/7/2011

السبع دقائق الأخيرة

لا أدري إن كنت الوحيد الذي تمر به هذه الحالة، أم أن هناك غيري. حدث يومي يتكرر بلا انقطاع، غالبًا تكون الأجواء المحيطة مليئة بالسكون، أو على النقيض تمامًا  فتكون صاخبة مزعجة ترغمك على أن تنعزل بنفسك عن العالم. كل من يشاركك في هذا الحدث هو أقرب الناس إليك، أنت. يتكرر اللقاء يوميًا، يتكرر الحساب يوميًا .. حساب قاسي مرير، و من وحشته أتهرب أحيانًا من مواجهته، أو على الأقل أسكّنه و أحاول التعامل مع الموقف للخروج بأقل الخسائر. إنها السبع دقائق قبل النوم، أو السبع دقائق وسط تلك الحفلة الصاخبة، أو ذلك التجمع الكبير الذي يضم من الأصدقاء و المعارف الكثير.

الدقيقة الأولى هي صاحبة الفضل في إفاقتي من الغفلة المصطنعة. الدقيقية الأولى هي صاحبة الصدمة بأنني لست على ما يرام، فيها أنتبه إلى أنني لا أنتمي إلى هذا الجزء من العالم، و لا أجد لي مكانًا يناسبني. دائمًا ما يصاحبها سؤال مرير، ما الذي أفعله في نفسي، لما أجد  بعض الأمور تمضي بصعوبة بالغة و بشق الأنفس. لما لا أجد نفسي مثل باقي الناس و أنسى - أو أتناسى - كل تلك  المعضلات الفلسفية الوجودية.

الجهل نعمة، و العلم قوة، و المؤمن عليه أن يسعى. تلك هي القاعدة. أما عدم الجهل، مع كثرة العلم، و قلة السعي ... فهذا هو العذاب بعينه. يتشتت المرء حينما يجد نفسه وسط نصف واقع، و جزء من حلم، و الباقي مكون من فراغ. أيوجد عذاب أكبر من أن يعلم المرء أنه مخطئ، بل و يعلم ما عليه فعله لتصحيح هذا الخطأ ... ثم لا يجد في نفسه الهمة لإصلاح هذا كله؟ ... أرى أن هذا هو العذاب بعينه، أرى أن هذا هو السجن الحقيقي، أن يسجن الإنسان داخل نفس كسولة، و عقل متمرد، و ضغوط خارجية قاتلة لكل أمل. هكذا تكون مرت الدقيقة الثانية.

مع دخول الدقيقة الثالثة يصبح الوضع أكثر سوءًا. هنا أجد حالة عدم الرضا بما أنا فيه. هذا ليس أنا، هذا ليس متماشيًا مع ما كنت أقوله هذا الصباح. لا، كل تلك العيوب يجب أن لا تجد مكانًا لها في حياتي. تلك العيوب تقتلني، لأنها ببساطة تغتال ما أملك من أحلام و أهداف، تخطف ما تبقى من أمل بعد ما حدث بالأمس.

 يقال أن هناك مدرسة و منهج في الفلسفة تملك القدرة على إقناع المرء بالشيء و عكسه، لا أعلم عنهم الكثير، و لكن لا أدري لما أجد تعلقًا بهم على الرغم من اختلافي معهم. تكون الدقيقة التالية هي الفاصلة، ففيها أقرر إن كنت سأستمر في تلك الحالة الكئيبة السوداء، أم عليّ أن أتدارك الموقف و أجد مخرجًا لي و لأحلامي. يكثر التذبذب و الترنح في الدقيقة الرابعة. أسعى ما بين الأمل و خيبة الأمل، السعادة و فقدانها، الهمة و الكسل ... كل شيء و نقيضه. أجد في نفسي كل تفسير مطلوب لأثبت لها أنني من أنجح الأشخاص و إنني سأنجو من براثن تلك الحياة ... و لكن ما ألبث حتى أجد تفسيرًا يضاهي السابق في القوة بأنني قد أضعت حياتي و عشت فترة ما خلف أوهام و سراب. الغريب في الأمر أن كلاهما مقنع و منطقي، فلا أعرف عن نفسي أني إنسان هوائي الطبع متقلب المزاج بشدة .. لا، هذا ليس أنا. لهذا أقف حائرًا، لا أعلم أي تفسير هو الصحيح.

هنا يأتي وقت الإفاقة من الغفلة المصطنعة. لا، هذا ليس أنت. فأنت لم تخلق كي تموت وسط جدران الإحباط و خيبة الأمل، أنت لم تولد كي تدفن بعد حياة بلا ملامح. أنت تعلم أنك قد مررت على مواقف كتلك قبل هذا. نعم! ... أنت تعلم طريق النجاة، أنت قد نجوت من تلك الأفكار من قبل. ماذا حدث لك، أوهنت؟ .. أفقدت إيمانك بما تحمله من قيم؟ .. ألست على يقين بما تعتنقه؟ ... فماذا حدث؟!

أفكر و أخطط و أحمّس و أشجّع .. و أزعم التخلص من كل تلك الأفكار الهدّامة. بل أجد منبع جديد لأفكار و سُبُل جديدة. فها أنا أجد حلًا لتلك المشكلة، و ذلك الأمر و أرى طريقة جديدة لصنع هذا. أرى الآن صورة وردية مزدهرة مليئة بالألوان و الأشكال، الآن أرى المستقبل كما يحلو لي، الآن تملئني بعض الثقة بأن ما هو جديد سيحمل في طيّاته ما أريد.

الآن حان وقت أن أعقد العزم على ألّا أعود، و لا أخوض مجددًا في أي من تلك الدقائق التي مضت. الآن أدعو و أناجي لكي لا أشعر مجددًا بمرارة تلك الدقائق السبع ... الآن أترك عزلتي، أو أترك نفسي لنومي، راجيًا الله بأن تكون هذه هي السبع دقائق الأخيرة ... متناسيًا أن هذا يحدث كل ليلة.