Thursday, 13 September 2012

عبث الطفولة

تناثرت الدمى من حوله ... يتناول الواحدة بعد الأخرى، يقلبها على وجهيها فيقارن التفاصيل، يجربها تارة و يكسرها تارة أخرى، لتصبح دميته الجديدة المصنوعة من أشلاء و حطام هي أقرب دُماه إلى قلبه، ليس لأنها ذات الخصائص الجبارة، و أيضًا ليس لتفردها في ما تقدمه، فكل من يعرفهم يفعلون مثله تمامًا.

أبناء الحي ذاته بفعلون الشيء نفسه، يقلّبون و يكسّرون و يصلحون الدمى، منهم من يستطيع شراء دمية جديدة بماله، و منهم من يلتزم بتعاليم جدودهم في كيفية اللعب بها، و هؤلاء يلتزم أبائهم أيضًا بتعاليم الجد، فلم يكن لديهم القدرة على ابتكار طريقة جديدة للعب.


توجد رواية متواتره بين أبناء الأحياء المختلفة أن هناك لعنة أصابت أبائهم في الصغر، حيث أنهم أصبحوا يرهبون تجربة طرق اللعب الجديدة، لكن لا أحد يعرف حقًا ما هو السبب. يقول أحدهم أنه الاتفاق الذي تم بين الأجداد بأن لا يقترب أحد من الآخر؛ فليست طرق اللعب كلها تناسب جميع الأحياء، و ما أن يشرع أحدهم بتجربة هذه أو تلك إلا و نهروه و رهبوه، فهذه ليست من عادتنا، و تلك لا تناسب طريقتنا، هذه إياك أن تقترب منها، أتريدهم أن يسخروا منك و تصبح مزحتهم طيلة الشهور القادمة، أم أنك تريد أن تجلب العار لنا، أبعد ما آتينا لك به تريد أن تترك هذا كله و تذهب إليهم، كل ما تريد أن تفعله موجود بالداخل، اذهب و قلّب و كسّر كما شئت، و لكن بداخل تلك الغرفة التي خصصناها لك، تلك الغرفة التي بنيناها كي تلعب انت بداخلها، بداخلها تستطيع تخيل كل ما تشاء و تفعل ما يحلو لك، لكن إيّاك و أن تذهب إليهم.


أبناء الحي نفسه يفعلون الشيء ذاته. الكثير منهم يتبع أبائه، حاول البعض الخروج من تلك الغرفة التي خصصت لهم، و لكنهم لم يستطيعوا مجابهة مجلس العائلة الذي إنعقد من أجل محاكمته. آخرون استطاعوا الهرب من ذلك المجلس، لكنهم أيضًا أصابهم الفشل، لكنه الفشل في الاستمتاع بالدمية الجديدة، وجدوا بداخلهم تعلقًا بتلك الغرفة، لا يدرون كيف و هي تلك الغرفة المظلمة المنعزلة عن الحديقة الواسعة في وسط الأحياء كلها، لا يدرون كيف انبعث فيهم الشعور بالخوف من سوء المصير، مع إنهم الآن يرون هؤلاء الأبناء القلائل المستمتعين بالحديقة الغنّاء، فكلهم استطاعوا الهرب من مجالس العائلات التي انعقدت لهم، و مع ذلك وجدوا الحنين بداخلهم لتلك الغرفة التي يعرفونها جيدًا، فكل حكايات الأباء عنها.


تناثرت الدمى من حوله ... يتناول الواحدة بعد الأخرى، يقلبها على وجهيها فيقارن التفاصيل، يجربها تارة و يكسرها تارة أخرى، لتصبح دميته الجديدة المصنوعة من أشلاء و حطام هي أقرب دُماه إلى قلبه، ولكنها تحمل صبغته هو، ففيها يجد حلاوة تخلصه من رهبة الخروج من تلك الغرفة، فيها يرى تجربته هو في صنع دميته، فهو يعلم أنها ليست الأجمل ولا الأكثر متعة بينهم جميعًا، و لكن لأنه يرى فيها دليل اختلافه عن باقي أبناء الحي، فبها عرف أنه لا ينتمي إلى تلك الغرفة.

6/9/2012

No comments:

Post a Comment