أكتب هذه الكلمات بما أمتلكه من معرفة ضئيلة بقواعد العربية الفصحى، أكتبها و لا أدري إلى أين ستُفضي الكلمة بعد الأخرى، أكتبها و قد رأيت الحزن عنوانًا لي و لك و لنا جميعًا، عنواننا تجرد من كل معالم النخوة و الرجولة و كل تلك القيم التي كنّا جميعًا نتدارسها في الصغر، و لكن لم يأبه أحد بمعايشتها لنا عبر لحظات عمرنا المختلفة. دعني أحدثك عزيزي لما ثارت في عقلي تلك الكلمات و لم تجد مخرجًا من مأزقها إلا مشاركتها مع من قد يفهمها؟، بل دعني أقول أنها في رحلتها بحثًا عن درب تكون هي مشكاته و نبراسه.
أصبح الآن من أكثر الأسئلة إحراجًا هي سؤال الولد لأبيه عن كيفية وجوده و خلقه، أو تلك الاستعلامات عن فلسفات الدنيا الكبرى و ما إلى غير ذلك. و لكن لم ينتبه أحد بأن هناك من الأسئلة ما هو أكثر إحراجًا و أكثر وشمًا بالعار. يا قارئ تلك الكلمات هل في يوم من الأيام وجدت إجابة لسكوتك و هونك و ضعفك و خنوعك أمام واجبك في الحفاظ عن ما كنا عليه؟ .. بل دعني أسئلك أولًا، هل تعلم كيف كان أجدادك؟ أعني أجداد أجدادك، هؤلاء القوم الذين كان أغلبهم يعرفون و يعيشون معاني الرجولة و النخوة و الأُمّة و الحضارة و ما إلى غير ذلك من مستلزمات الحياة. لم يكن من مستلزمات حياتهم فقط ما هو زيت و سكر و خبز و عجل يتناولونه بين الحين و الحين. من أتكلم عليهم كان شرفهم و عزتهم أعلى و أهم مما نحن نلهث ورائه الآن. من أحدثك عنهم كانوا يثورون في لحظة إن مسهم طائف يحاول التقليل من قوتهم و مبادئهم.
إن كنت من المحظوظين و رأيت بنفسك ما تركه أجدادك في الأندلس، أو لو كنت ممن هم أكثر حظًا و علمت و عرفت عن التاريخ هناك، و عن الحال التي كنا عليها، ستعلم أن في لحظة ما فضّلوا ما كنزوه من مال و بيوت و أراض و دكاكين، كان ذلك أحب و أزكى من شيء كحفظ دينهم على سبيل المثال. لا أعلم الكثير، ولكنّي أستطيع أن أقول أن لو كان هناك من "الرجال" من يقوم و يستنفر ما تبقى من بين قادة العرب لكان تبدل الحال.
تركوها و تفرغوا لما يلهيهم من مشاغل حياتهم اليومية، و أصبحوا يعظمون لما بين أيديهم من مشاكل ضحلة، خشية أن يفيقوا و يدركوا حقيقة ما فرّطوا فيه. هذا حال كل ما يطلق عليه تاريخ، فيستمر إنحدار القيم و تتفيهها، و يزداد تشويه كل المحاولات إصلاح ما تبقّى. أقتصرت الرجولة الآن على ما يبذله الشاب لإثارة إعجاب معشوقته، و تمحور النجاح حول ما يملكه المرء من مادة. أيدري الجيل الجديد -و نحن في نفس السياق- ما عليه من واجب، و ما أمامه من عواقب؟ ... أتتعجب من مبالغتي في هذا الأمر؟! .. فلتتذكر عدد المرات التي مرت أمامك أخبار الحروب و المجازر في الشيشان و كوسوفو و غزة و حمص و ما إلى غير ذلك. استطاعوا أن يهوّنوا و يضعوا مكانة ضئيلة لأخبار كتلك التي تمر علينا كل يوم. نحن اليوم محاطون بأنفسنا و غيرنا، ممن فقدوا النخوة و العزة، ممن أصبح عليهم بذل جهد مرير حتى يستطيعوا الشعور بأي واجب تجاه تلك القضايا و تلك الغاية، ممن أصبح من الصعب عليهم أخذ قرارات تخالف الواقع الخامل حولنا. ذلك الواقع المشوه، الواقع الذي صنعته الأطماع و الأحقاد و حب النفس و الإستغراق في المادية.
يومًا ما كانت الإشارة بأن لا يجب على المرء الشعور بمسئولية تجاه أمور التي تمسه شخصيًا جريمة. أما الآن أصبح ذلك هو الطبيعي، و غير ذلك هو الجنون بعينه.
بالتأكيد لا أريد تعميم، فلسنا جميعًا موتى، و لا نحن جميعًا على نفس القدر ... و لكن كما قلت سابفًا، لعل تلك الكلمات تجد دربًا تنيره.
15/7/2012
No comments:
Post a Comment