Wednesday, 12 September 2012

السبع دقائق الأخيرة

لا أدري إن كنت الوحيد الذي تمر به هذه الحالة، أم أن هناك غيري. حدث يومي يتكرر بلا انقطاع، غالبًا تكون الأجواء المحيطة مليئة بالسكون، أو على النقيض تمامًا  فتكون صاخبة مزعجة ترغمك على أن تنعزل بنفسك عن العالم. كل من يشاركك في هذا الحدث هو أقرب الناس إليك، أنت. يتكرر اللقاء يوميًا، يتكرر الحساب يوميًا .. حساب قاسي مرير، و من وحشته أتهرب أحيانًا من مواجهته، أو على الأقل أسكّنه و أحاول التعامل مع الموقف للخروج بأقل الخسائر. إنها السبع دقائق قبل النوم، أو السبع دقائق وسط تلك الحفلة الصاخبة، أو ذلك التجمع الكبير الذي يضم من الأصدقاء و المعارف الكثير.

الدقيقة الأولى هي صاحبة الفضل في إفاقتي من الغفلة المصطنعة. الدقيقية الأولى هي صاحبة الصدمة بأنني لست على ما يرام، فيها أنتبه إلى أنني لا أنتمي إلى هذا الجزء من العالم، و لا أجد لي مكانًا يناسبني. دائمًا ما يصاحبها سؤال مرير، ما الذي أفعله في نفسي، لما أجد  بعض الأمور تمضي بصعوبة بالغة و بشق الأنفس. لما لا أجد نفسي مثل باقي الناس و أنسى - أو أتناسى - كل تلك  المعضلات الفلسفية الوجودية.

الجهل نعمة، و العلم قوة، و المؤمن عليه أن يسعى. تلك هي القاعدة. أما عدم الجهل، مع كثرة العلم، و قلة السعي ... فهذا هو العذاب بعينه. يتشتت المرء حينما يجد نفسه وسط نصف واقع، و جزء من حلم، و الباقي مكون من فراغ. أيوجد عذاب أكبر من أن يعلم المرء أنه مخطئ، بل و يعلم ما عليه فعله لتصحيح هذا الخطأ ... ثم لا يجد في نفسه الهمة لإصلاح هذا كله؟ ... أرى أن هذا هو العذاب بعينه، أرى أن هذا هو السجن الحقيقي، أن يسجن الإنسان داخل نفس كسولة، و عقل متمرد، و ضغوط خارجية قاتلة لكل أمل. هكذا تكون مرت الدقيقة الثانية.

مع دخول الدقيقة الثالثة يصبح الوضع أكثر سوءًا. هنا أجد حالة عدم الرضا بما أنا فيه. هذا ليس أنا، هذا ليس متماشيًا مع ما كنت أقوله هذا الصباح. لا، كل تلك العيوب يجب أن لا تجد مكانًا لها في حياتي. تلك العيوب تقتلني، لأنها ببساطة تغتال ما أملك من أحلام و أهداف، تخطف ما تبقى من أمل بعد ما حدث بالأمس.

 يقال أن هناك مدرسة و منهج في الفلسفة تملك القدرة على إقناع المرء بالشيء و عكسه، لا أعلم عنهم الكثير، و لكن لا أدري لما أجد تعلقًا بهم على الرغم من اختلافي معهم. تكون الدقيقة التالية هي الفاصلة، ففيها أقرر إن كنت سأستمر في تلك الحالة الكئيبة السوداء، أم عليّ أن أتدارك الموقف و أجد مخرجًا لي و لأحلامي. يكثر التذبذب و الترنح في الدقيقة الرابعة. أسعى ما بين الأمل و خيبة الأمل، السعادة و فقدانها، الهمة و الكسل ... كل شيء و نقيضه. أجد في نفسي كل تفسير مطلوب لأثبت لها أنني من أنجح الأشخاص و إنني سأنجو من براثن تلك الحياة ... و لكن ما ألبث حتى أجد تفسيرًا يضاهي السابق في القوة بأنني قد أضعت حياتي و عشت فترة ما خلف أوهام و سراب. الغريب في الأمر أن كلاهما مقنع و منطقي، فلا أعرف عن نفسي أني إنسان هوائي الطبع متقلب المزاج بشدة .. لا، هذا ليس أنا. لهذا أقف حائرًا، لا أعلم أي تفسير هو الصحيح.

هنا يأتي وقت الإفاقة من الغفلة المصطنعة. لا، هذا ليس أنت. فأنت لم تخلق كي تموت وسط جدران الإحباط و خيبة الأمل، أنت لم تولد كي تدفن بعد حياة بلا ملامح. أنت تعلم أنك قد مررت على مواقف كتلك قبل هذا. نعم! ... أنت تعلم طريق النجاة، أنت قد نجوت من تلك الأفكار من قبل. ماذا حدث لك، أوهنت؟ .. أفقدت إيمانك بما تحمله من قيم؟ .. ألست على يقين بما تعتنقه؟ ... فماذا حدث؟!

أفكر و أخطط و أحمّس و أشجّع .. و أزعم التخلص من كل تلك الأفكار الهدّامة. بل أجد منبع جديد لأفكار و سُبُل جديدة. فها أنا أجد حلًا لتلك المشكلة، و ذلك الأمر و أرى طريقة جديدة لصنع هذا. أرى الآن صورة وردية مزدهرة مليئة بالألوان و الأشكال، الآن أرى المستقبل كما يحلو لي، الآن تملئني بعض الثقة بأن ما هو جديد سيحمل في طيّاته ما أريد.

الآن حان وقت أن أعقد العزم على ألّا أعود، و لا أخوض مجددًا في أي من تلك الدقائق التي مضت. الآن أدعو و أناجي لكي لا أشعر مجددًا بمرارة تلك الدقائق السبع ... الآن أترك عزلتي، أو أترك نفسي لنومي، راجيًا الله بأن تكون هذه هي السبع دقائق الأخيرة ... متناسيًا أن هذا يحدث كل ليلة.

12 comments:

  1. الجهل نعمة .... أحسنت

    ReplyDelete
  2. وما الحياة إلا رحلة البحث عن إجابات الأسئلة يا صديقي
    :)

    ReplyDelete
  3. من أروع ما قرأت لك على الاطلاق :) الحياة بالفعل هي رحلة البحث عن الاجابات، ولن يصل إلى الاجابات سوى العقول المهمومة بها، المتقدة، المتابعة.. وهي رحلة شاقة، مليئة بالشك.. مليئة بالتذبذب.. لكننا نصل في النهاية، وأعتقد - مما أقرأ - أنك من أصحاب النفوس القوية في زمننا هذا، على الأقل قوية في صدقها
    ريم جهاد

    ReplyDelete
    Replies
    1. اللهم أمين ... الواحد بيحاول، لكن مش ضامن جزء النفوس القوية دي :D

      Delete
  4. مقال رائعة يا أشرف
    يا رب اخرج من الدئرة المفرغة لهذه السبع دقائق و الا اعود لها لفترة طوببببببلة

    ReplyDelete
    Replies
    1. إن شاء الله :) ... ربنا يكرمك

      Delete
  5. Very expressive ... btw i consider it the most confusing period of my life :)

    ReplyDelete
  6. ملخص الوش اللى فى دماغى يوميا

    بالظبط زى القناه الرابعة بعد الساعة 10 م .... وشششششش

    ReplyDelete
  7. أنت لم تخلق كى تموت وسط جدران الإحباط و خيبه الأمل....!
    أكثر من رائعه

    ReplyDelete
  8. أنت لم تخلق كى تموت وسط جدران الإحباط و خيبه الأمل....!
    أكثر من رائعه

    ReplyDelete