Sunday, 24 November 2013

ملاحظات ما قبل النفاذ

خمس دقائق تفصلني عن نهاية عمر بطارية هاتفي. أساليب النجاة: قهوة، موسيقى، ومتابعة الناس. قررت الكتابة عنهم قبل أن يصير الانقطاع عن العالم حتمي.

القهوة:
يعتقد البعض أن اختيار قهوتنا كاختيارنا لأنفسنا، ففي هذا الاختيار تحديدًا تبرز معالم شخصيتك ومعانيها. أما أنا، فأعتقد أن اختيار قهوتنا كاختيارنا لرفقائنا، أو إن شئت الدقة، لرفيقتنا. لم سأحتاج أن أبيّن لنفسي ما أنا عليه؟ فقط كل ما أحتاجه هو كوب يستوعبني ويكمل نقصي.
قهوة مركزة كي تعادل لحنك عن الدرب. نكهة مختلفة تزيّن حياتك. خفيفة تلهو معك في الصباح. جرعة مضاعفة عند حالات الحزن. نزع الدسم كي تغلف مظهرك الاجتماعي، وتحافظ عليه. جديدة تلهمك للمغامرة. تقليدية تؤسس ترتيب حياتك. أو، كبيرة، قوية، دون سكر يحليها، فهي كما هي، بطبيعتها، بقوتها، ولينها داخل نفسك، ومشاغبتها داخل عقلك، دون تكلّف، دون ادعاء.

الموسيقى:
نعمة هي ألّا تختار قائمة ما تريد سماعه، فالتلقائية تزيدها حلاوة. تجلس في مقهى، ترتشف قهوتك.. وتكتب.. بينما تأتيك نغمات عزبة، غير متوقعة، تغير من مجرى الكلام.

صمت.

اللحن دائما ما يحتاج لإيقاع كي ينتظم. هنا يكمن الإبداع، في تغيير النظم. رسمة تُبدَع دون ورقة أو قلم، فقط أترك لعقلك العنان. لا تصدق من يقول لك أنه يفهم ما تقوله له الموسيقى، كل ما يميزه أنه يستطيع سماع ما تقول له نفسه. تغيّر اللحن، نحن الآن في إحدى الضواحي اللاتينية. ألوان تتداخل بين الناس، مزاحمة لهم كي تصقل تفاصيل ما ينقصها كي تكون أسطورية، كي تكون حلم. تغيّر اللحن مجددًا، كي يعبر بك لموسيقى الكانتري كما يدّعون، وتكسب لوحتك بساطة وانطلاق مطلوبين... لم ذاك اللحن يدعو للابتسام؟ ..

متابعة الناس:                                         
متعتي المفضلة. أعلمهم جميعًا بأسمائهم. يخطئ من يزل يعرف الناس بنسبهم، بل الأصدق أن تعرفهم بحالاتهم.

المتمردة: جالسة وحدها عند ركن المكان. لا تلزمها موسيقى المكان فهي لا تقبل بالإملاء عليها في أي شيء. شاشة صغيرة تحملها كنافذة الهرب من ضغط ثقل عليها. اختارت أن تستريح هنا مدة كوب قهوة، كي تستجمع ما يلزمها لإكمال المسير. خوف جعلها تتوارى عن أعين المحيطين، بعين تختلس النظر إليهم. العلم يجلب الطمأنينة، المفقودة.

الهادئ: رجل كبر عمره، مخالفا لما تقوله دافتر الدولة. بطئ اكتسى عملية الراحة. اعتياد. صارت العادة هي ما تحكمه وتنير دربه. لا تلحظ بسمة عليه، ولا عبس. معتدل توسطت ردود أفعاله لما يحدث من حوله. فقد الاهتمام، لكنه اعتاد المسير. لا تسأله أبدًا ما يبدأ ب(لماذا؟) .. كل ما يملكه هو( كيف؟).

المجموعة: غريبة هي ملاحظة أنهم دائمًا على نمط واحد. أغلبية متحمسة، مع قليل راكز. أغلبية مرحة، مع قليل راكد. أغلبية بعضها يشبه بعضا، مع قليل مختلف، دون شبه. أهدافهم تبدو بسيطة لمن هو خارجها. خطة، أو مذاكرة، أو قضاء وقت. الهموم الكبرى ضلت طريقهم، أو لم تصل إليهم بعد. الأفضل أن يظلوا هكذا، لا يعلمون.

صانع القهوة: قد يكون هو الاستثناء، لم يستدل له على حال. ساقه قدره لصنع قهوة ما كان يومًا شاربها، لأناس ما كان يومًا يقبلهم. ابتسامة اكتسبها بعد تمرين. لكنة صاغها كنقطة وسطا بين الباقين. تعامل لا يصدر غير منه هنا، حيث أنه لا يجوز له العودة لدائرته كما يكون مع صنع القهوة. بدّل معاييره كي يرتقي، أو يسعد، أو كي ينفز خطة ما كان هو بضلع فيها، غير التنفيذ.

الناس كثير. الغامضة، والحالم، والمسرعة، ومن هو على عَجَل. جميعهم يشربون قهوة، ويسمعون لموسيقى.. وكلهم متابعون، ومتابعون.

أصبح النفاذ قريبا، وما زالت المتابعة مستمرة، وباقية.

Sunday, 17 November 2013

مراجعات ما...

فقدت الثقة في أننا نملك أي شيء. 

هل نملك خاطرنا، أم فقط نجيد استكشاف ما يدور فيه؟
هل نملك لحظات سعادتنا، أم فقط نستمتع حين نلقاها؟
هل نملك حزننا، أم فقط نتحمل قساوته؟
هل نملك سبيل الخروج، أم فقط التمنّي؟
هل نملك الرجوع، أم فقط حال الندم؟
هل نملك المضي، أم فقط استماع نصح المقربين؟
هل نملك الاختيار، أم نحن أسرى القديم؟
هل نملك أي شيء؟ هل هناك ما يحمل صبغتك الخاصة على الحقيقة؟ أم نحن مجبولون على اعتبار الغير؟
هل نملك التغيير، أو الثبات، أو النجاح، أو الشقاء، أو الحلم، أو حتى البكاء؟ 
هل نملك الشكوى؟
هل نملك الإجابة؟
هل نملك المعرفة؟ أي معرفة؟
مجددًا، هل نملك الخروج؟

إلى متى، وكيف، ولماذا... 

Wednesday, 16 October 2013

جمل خبرية غير تامة

ظللت أبحث كما قيل لي.. التمست النجاة وطلبتها..

العقل يبحث عن.. 

القلب يقع على..

مرادنا هو..

الغاية هي..

الحقيقة أنها..

كل بطولة لها بطل، إلا..

الراحة تكمن في طيّات الرضا، ولكن..

الهدوء..

صوت انشغال الناس..

الحلم..

تفضيلك الشخصي للأشياء..

الضحك..

كتم البكاء..

العمر لن يسمح..

المحاولة مجددًا..

نسمات الهواء..

عطر الأمل..

كتاب قديم..

عقل قَفَل..

يكتب الطبيب الدواء..

افتقاد الاتزان..

متابعة مضنية..

والزمان..

ظللت أبحث كما قيل لي، وتابعت المسير. التمست النجاة وطلبتها، ولكن ليست كل الجمل تنتهي بالخبر.

Monday, 30 September 2013

الدليل المصون

المشهد الأول: نفخ البوق
طابور الصباح. إذاعة مدرسية تسقيك من ترانيم النظام. علم يرفرف معلنًا قهر احتلال العقول. سأم معتاد في الصفوف. نقصك يعني احتلالك أول الألوف، مواجهًا دانات العدو. القصير يحتل المقدمة، أما الأعالي خلفهم كي يرتسم النظام. الشكل تم. دقات الطبول توحي أنك الجندي المصون، ذو شرف المهول، حامل الواجب الثقيل. دقات رتيبة ترسي قواعد المشاة. انطلق الجنود للفصول.

المشهد الثاني: اقرأ كتابك
الآن ترى الغيب بعينيك، ونسختهم الخاصة للتاريخ. كما النبيذ يصنع يدويًا، ويكسب قيمته من التخزين. اقرأ كتابك. الآن تتلقّى دقائق الأوامر، وحدود النظام. مساحة تلقى إليك كي تظن أنك ذو شأن. مساحة أخرى أعلنت استسلامها ب(ممنوع الانتظار). لا تتعب خلدك، فلن تجد إجابة ولا سؤال. فقط استسلام. احفظ الكتاب يحفظك. خلّد النظام تجده تجاهك. إذا سألت فسأل القوي. وإذا استعنت، فأنت تعلم المستعان.

المشهد الثالث: الميزان
تعلم غاية الأمر. كتحقيقات الجواسيس في الحروب. عيون جاحظة تحاصر كل اختياراتك على مر السنين. لونك، رسمك، شكلك، دينك، عقلك، قلبك، حسبك، ناسِك، ألوانك، مصابيح الإنارة في أول الطريق، شرد الضالين بين الحارات، عود القرنفل معطي النكهة لشردات العقول. حكّام، حاكمين، ومحكّمين يصطفّون. تعرض وحدك، دون جلب الظروف والتفضيلات. تعرض وحدك تاركين أسباب النضال، وكل ما آمنت به، وصحح عندك الاختيار. تعرض وحدك، فلا تلقي بالًا.. بأي شيء.

المشهد الرابع: الصراط
غير معلوم. كنت أرجو أن آتيك بما يريح صدرك، وتستريح. كنت آمل أن يخف حملك، وتستريح. كنت أدعو أن ينكشف الغمام، وتنجو. وننجو. وينجو كل من في الصفوف. ولكنها سنّة السفن، وما تشتهيه. فأبحر نحو دربك، أو توهّم المسير.

صمت الجمهور، ونفر الحضور، وفرّوا من كل تهديم، وظل الجنود في الصفوف، يُسقون ترانيم النظام، وظل السأم في الصفوف..  غير أن الفقر قد طال الحلول.

Sunday, 29 September 2013

سفر الوصول - مع التفسير

"في البدء كان التيه ... بلا انتهاء"
النغم يحلو مع ليالي الشتاء. فلا حر يشغلك، وتزيد من طبقات الغطاء كي تنجو من صقيع خارجي، فتحاصر بلهيب أفكار لا تعلم كيف بدأت، ولا علام ستنتهي.

"الأفكار من صلاة الرب للعبد"
ستأتيك حتمًا من حيث لا تحتسب. سترغمك قهرًا، فلا تحاول الفرار. أنت لا تملكها، ولن تملكها، ولكنك فقط ترعاها. هي زائرة لك، غير مرغوبة فيها أحيانًا، ولكن حسن الضيافة من الأصول. فاعمل بها. راعها. أحسن مثواها، فهي فيها النجاة من هلاك تحرص دومًا على الفرار منه. هي سعيك حتى تصل لنجاة قد أُحسن القَصَص عنها.

"الحق واحد، غير معلوم"
-لم نجد لها تفسير-

"سنتي الاختلاف، أفلا تعقلون"
خُلقنا متشعبين. خُلقنا مختلفين. سيق لنا أن هدفنا الاتحاد، فلا ننفك إلا أن نكون شعبة واحدة، متجاهلين ما في الاختلاف من نعيم. متناسين ما في الوحدة المرجوة من جحيم.

"حقيقتي مخفية، فلم لا تؤمنون"
حرية العبد في التسليم. هنا توقّف المفسرون.

"أمرتكم، فأطيعون"
لا يجدي هنا تفسير. فهذه مساحة المريدين، والنازحين، وكل من هو مهموم. فيها اختلف الناس، وتوحّدوا. بها شيدت عصور، وبها هدّمت. ولذلك يبقى التفسير هنا غير مرغوب فيه.

--------

ما زال السفر في مرحلة التكوين، فانتظرون.

Sunday, 22 September 2013

استراحة

أربع ركعات، وتسليم.

الزمان: وسط الأسبوع
المكان: مسجد الحي، دائم الخلو من المصليين
الحال: وحيد

ذهبت للإمام متسائلًا، لم نأكل باليمين؟ أهي سنتنا التفضيل، أم التمييز غير مبالين؟ أجابني بثقة، أكان له بنين؟ فقوانين الإرث تختلف اختلافًا مبين. تركته وذهبت بعيدًا، فلم الحرص على كشفه أمام الناس أجمعين.

----------

نغمات، وأناس يتمايلون.

الزمان: وقت ما بعد الليل، قبيل الفجر
المكان: جنة النار المخلّدة
الحال: مسؤوم

لم أخاطب أحدًا، فجميعهم منشغلين. صار تغييب العقل غاية المُريدين. لم نحرص على عقل إن استفاق ما انفك عن إعادة الحال لوضعه الأول. السكون. لن أخاطب أحدًا، فهم في الغيابات مستمتعين، ويا حظهم. ليتني كنت مكانهم. هالك. غير عابئ بما قيل عن ذي قبل.

----------

لن نرضى غير أن نكون خالقين.

الزمان: لا أعلمه
المكان: لا يهم
الحال: غير مفهوم

لم ترضنا صنعة الرب، فصنعنا أنصاف الحلول، وارتضينا. أوهامًا اشترينا، ولكنها أوهامنا نحن. من صنعنا. رأينا تكوينها، وكتبنا أسفارها. بالغنا وتعدينا الحد، فصار الرضا مثله مثل الأساطير. معسول غير الموجود. تمادينا، حتى خلقنا النظام، أو هكذا هدينا أنفسنا.

----------

يطلب المحارب الاستراحة، كي يستطيع المواصلة. إكمال الحياة. رغم أنه يخرج كل يوم طالبًا الموت، ولكنها تلك التركيبة اللعينة. نصنع شيئًا، راغبين في عكسه، غير ملمين بطريق الوصول.

إنّي داعٍ؛ فأمّنوا.

Thursday, 8 August 2013

مساء يوم العيد الأول

بسم الله .. إن كان موجودًا

عزيز القارئ، أتمنى لك عدم قراءة تلك الكلمات، فأنت تستحق أن تنعم بحياة طبيعية؛ أما من هم مثلي، فلهم الله.

كعادة كاتبي القصص، يسطرون حدود الحكاية.

الزمان: يوم العيد الأول، المساء تحديدًا.
المكان: غرفة مغلقة الأبواب، والنوافذ. أعلى يميني أجد مكيف الهواء يعدّل جينات الزمان، فيقلبه شتاءً.
الجو العام: قهوة سيئة الصنع صنعتها لنفسي، تتراقص على أنغام أغنية غير مشهورة، توحي لمستمعها أنه امتلك ثقافة الأولين. هدوء كبير يحيط بالباقين. تهاني الأصدقاء تتراسل بينهم، تذكرهم بأنه أول يوم عيد. فرحة مرجوة -أو هكذا يحكي عنها الناس- تحيط بمن هم بالخارج.

لا أريد أن أكتب عن الحالة غير السعيدة التي تعتريني كلما حل علينا وقت كهذا. يجب علينا الفرح، هذا أمر. عادة لا أتأقلم مع الأوامر. أو كي أكون أكثر صراحة، لا أرتاح مع الأوامر، ولكني من الممكن أن أعتاد وجودها.

أتساءل كثيرًا لما الاختلاف؟ لا أدري.

عودة لفرحة العيد. لا أستسيغها. لمَ نفرح بقدوم وقت معين، أو ذكرة ما؟ لمَ الاحتفال؟ يقرر الناس، كبارًا وصغارًا، أن يفرحوا في هذه اللحظة، ويدّعون أن السعادة قرار. أهو قرار حقًا، أم هكذا تجيد التحايل على نفسك؟

أين ذهب الناس؟ لما يختلفون, وتختلف حالاتهم الاجتماعية؟ لا أقول أنني طالما اهتممت بوجودهم، بل على العكس تمامًا، فإن نظرت لنفسي رأيت أن القيمة المتأصلة بداخلي -وربما تكون الوحيدة- هي أن دوام الناس محال. بل دوام الناس لعنة. يذهب الناس، ولا يأتون .. ولكني أظل أتساءل عنهم، بدون السؤال .. عنهم.

ورقة بيضاء، ومجموعة أقلامي. أزرق، وأحمر .. والأسود. الأخير هو رئيسهم، وأولهم هو الأكثر ظهورًا. هكذا صنفتهم، كما هو حال دنيانا. يملك الأسود سرًا مميزًا يجعل رسمه يتحلّى بالخصوصية والدقة. رتبت مجموعة أحلامي وما عليّ فعله. قراءة بعض الكتب، ترتيب الأوراق الأخرى، ونَظْم الجدول. آه، عليّ مذاكرة هذا أيضًا، وشراء تلك القطعة. يبدو أنني أعلمهم جميعًا، لن أكتبهم، فهم ليسوا بأفضل عن سابقيهم، فكلهم زالوا، وما زالوا لم يتحققوا.

قهوة سيئة الصنع صنعتها لنفسي، وباردة.

ما زلت أنظر للصفحة بتمعن، أحفظ أخبارها عن ظهر قلب. من الممكن أن أمسي الليل بطوله طلبًا لاستحداث معلوماتها، ولكن المصادر غير موجودة، فهي إما خرجت بين العالم الافتراضي، وتلاقوا خارجه، أو أنهم مثلي، ما زالوا يراقبون، أو أنهم رحلوا. لم أنتظر هنا؟ تذكرت، فلا مكان لي هناك.

أعملت يومًا كمهندس معماري، أو مصمم؟ حتى إن لم تكن، كل ما عليك هو أن تملك خيالًا لكي تفهم الآتي. من المؤكد أنك يومًا ما رسمت تصميمًا، واخترت مكوناته. قد امتلكت قدرة وقرارًا في تحديد من يستطيع الانضمام لتصميمك، فهو يؤدي غرضه، ويناسب باقي عملك. تظل تختار بين هذا وتلك، حتى تصل أخيرًا إلى صورة تصميمك النهائية. كل هذا لا يعنيني، ما يعنيني الآن هي تلك القطع التي لم يقع عليها الاختيار .. فهي لا يعيبها سوى عدم ملائمة تصميمك، ولذلك تم اهمالها، تركها، أو إصباغها بالدونية عن الباقي. لعلك فهمت الآن.

ما هي الفرحة؟ ما هي السعادة؟ ما هو الرضا؟ ما هي الإرادة؟ كيف تعلم ما تريد؟ أحقًا نعلم أي شيء؟ #أسئلة_وجودية

أفكاري هذه تستحق أن تكتب. قرار. فتحت ورقة، وكعادتي الدائمة، لا أرتب أفكاري، ودائمًا أكتب من أعلى لأسفل، من المقدمة للنهاية، دائمًا لا أعلم إلى ما ستفضي الجملة الحالية. هذه وحدها متعة. كتبت الأفكار، ولا أعتقد أنها ستنشر. سأتركها هكذا بين أخواتها كي يعثر عليها من يدققون النظر، فهذه علامة استحقاق المعرفة.

ما زال الناس يحتفلون. فلينعموا. العيد فرحة #أسطورة

Friday, 28 June 2013

قُصَيْصَة - من معه؟

وحينما سألوا عن معارفه، فلم يجدوا أحدًا، وهو بطبيعة الحال لم يستطع الرد. فهو لم يعد معهم. تمت.

Thursday, 27 June 2013

قُصَيْصَة - حقيقة الحقيقة

You want the truth .. You can't handle the truth! .. تمت.

سقوط الخريطة

أين الحقيقة؟ أمن الممكن أن أكتشف خطئي بعد كل تلك السنين التي اعتنيت فيها بتكوين رأيي، وفكري، ووجهة نظري في الأمور؟ أمن الممكن أن أكتشف خداع الناس لي؟ لا!، بل خداعي لنفسي. خداعي لنفسٍ طالما اشتاقت بعد عناء لأن تجد راويها، فالتهمت مائها بعد ظمىءٍ محتسبةٌ أن الماء مُنجيها.

أرى رفقائي ممن كانوا بجانبي في أول الطريق وقد أَعلن الشتات سيطرته عليهم. أحقًا هم من يحظون بالنصيب من الضياع، أم .. أم أنا من ضل السبيل؟ بل ما هو السبيل؟ كلنا يسعى نحو الصراط المستقيم، مُهتدين بخريطةٍ تم تواترها عبر الأجيال المتتالية. لا، لم أكفر بها، ولكنّي أصبحت أتوقّف عند كل علامة بها. شَمَالٌ يشير لأعلى، ولون أزرق يرسم محيطًا، وعلمٌ .. علمٌ يراه كل الناس ممن يسعون للوصول.

أراهم الآن، وأتابع كلامهم، وأحاول السيطرة على نفسي وأنا أحوال فهمهم. استنكرتُ، فرفضتُ، فتوقفتُ، فسألتُ، فحزنتُ، فتراجعتُ، فرجعتُ، فقرأتُ، فسألتُ، فأهملتُ، فتوقفتُ، فسألتُ، فتعجبتُ، فرفضتُ، فرأيتُ، فعقلتُ، فبعدتُ، فاستنكرتُ .. ولم أدري بعد الاستنكار سبيل، لكني ما زلت هناك .. أقف بعيدًا، مراقبًا، وحيدًا.

يراني الناس لكنهم لا يروني. بل، لا أدعهم يرون. لن أدعهم يصلون لهذا. فإن كنت هكذا، فليس لهم ذنب اقترفوه.




قُصَيْصَة - ديمومة الانتهاء

دائمًا تُسأل. دائمًا تَهرُب. دائمًا تعلم أنك في أمس الحاجة لإجابة تستطع البوح بها. دائمًا تعلن أنك .. ستنهي هذه المحاولة. تمت.

قُصَيْصَة - مرآة نفسك

يسألك الناس عنك. ينتظروا الإجابة منك. أنت وحدك تعلم من أنت. لكن، فقط عند هذا السؤال بعينه، رأيت سر قبحك .. أنت. تمت.

قُصَيْصَة - متوالية التساقط

بنيت حلمًا. فرسمت رسمًا. فتوهمت وهمًا. فرأيت خبرًا. فقتل أملًا. فخسرت نفسًا. ففقدت حلمًا. تمت.

Sunday, 16 June 2013

القدرة على البكاء

أكتب هذه الكلمات مستمعًا إلى رائعة راجح داوود "بسكاليا" .. إن لم تكن تعرفها، فهي الموسيقى التصويرية لفيلم "الكيت كات". هذا العمل الذي ربما لم تشاهده كثيرًا، أو لم تشاهده غير مرة واحدة، وليس بشرط أن تكون تلك المرة مكتملة. لكن مع كل ذلك، يظل هذا العمل محفورًا في ذاكرتنا، وجداننا، عقلنا، أم روحنا؟ .. لا تدري هل هذا لما يحمله من شجون يعبّر عمّا بداخلك، أم عن واقعية افتقدناها، أو تناسيناها، أم هو بشكل ما أجبرك على أن تترك روحك الناعمة بالآمان، وتسرّب إلى أعماقك كاشفًا ما تحمله انت من حزن.

أكتب هذه الكلمات مستمعًا إلى "بسكاليا" لا لغيرها، فهي الوحيدة المناسبة لحالي الآن. وحيدًا لأسرة مسافرة. وحيدًا لأصدقاء شغلتهم حياتهم الخاصة. وحيدًا لرفيق لم يحن وقته بعد. وحيدًا بين كل أفكاري وأشباه أحلامي، أو للدقة، ما تبقى منها. لا أعلم لم قرر راجح أن يجعل "الأرغون" هو مبتدىء المقطوعة، وناهيها. صوته الجنائزي يجعلك تنصت لقدرك. يجبرك على الاستغراق في كل ما شغلك من هموم تناسيتها. يعلن بصوته المميز دخولك حال جديد. حال يجعلك تطلب البكاء طلبًا، لكنك أبدًا لن تجده.

ينعم البعض بقدرتهم على البكاء، والتباكي حينما يريدون. يبكون فرحًا، وحزنًا، وطلبًا لرفقة. يبكون تأثرًا، وتفاعلًا، وأداءًا لواجب. يبكون صباحًا، ومساءًا، ووقتما يريدون. يبكون وحدهم، ووسط الجموع. يبكون انتصارًا وهزيمة.

دائمًا ما يكون البكاء على حالك هو الأصدق.

صدق من قال أن البكاء يريح، ويزيح. فهو إعلانك رسميًا عن ضعفك، واستسلامك لقدرك. هو إعلانك عن الوصول لما لم تكن تحلم به، فرحًا، أو ندمًا. هو إعلانك عن فترة توقف عن كل فعل، فقط تريد أن تبكي. تريد أن تتوقف للحظة كي تستوعب. تريد أن تتوقف فترة كي ترفع عن كاهلك حملٌ أنت وحدك تعلم ثقله. أنت وحدك تعلم كم كان قاسيًا، غير رحيم. أكمّ من المرات التي حزنت على نفسك لما وصلت إليه، فلم تجد غير دموعك رفيقًا، ومُنجي كل حبيس. لم تجد غير دموعك تواسيك حالك، وتشاركك وحدتك. لم تجد غير دموعك تفهمك، وتدرك تمامًا ما أنت عليه. تأتيك وتصحبك وقت الذروة حين تركك كل محيط. تأتيك بسلام وهدوء حتى تخفف عنك. أيضًا تتركك بسلام، ولكنها دائمًا تأتيك كل حين.

دائمًا ما يكون البكاء الصامت هو الأكثر إيلامًا.

لو كنت مثلي، لرأيت كل الأشياء من مسافة متساوية. أترى، هل يروني كما أراهم؟ لو كنت مثلي لرأيتهم في أصدق صورة وهم يبكون. كل القلاع الحصينة تنهار مع أول قطرة دمع تهوى إلى مصيرها. تسقط من أعلى برجها العاجي، متهاوية إلى أكثر الدروب ظلمةً. مستأنسةً بكل القصص التي لم تستطع البوح بها. تسقط من أعلى مختلطة بكل ما شعرت به ولم تقدر على وصفه، أو آثرت أن تتركه يعذبك وحدك، كنوع من تربيتك لنفسك. تأنيبًا لها على ذنب لم تقترفه، وخطيئة آتيت بها.

لو كنت مثلي، لرأيت كل من يستطيعوا البكاء، وشكرتهم، وهنأتهم. فهم وإن كانوا أقل منك تماسكًا، فهم أكثر منك حياة. على الأقل استطاعوا أن يعبروا عمّا بداخلهم، وأسقطوا قناع الصلادة الذي يعتريك. لو كنت مثلي لتمنّيت أن تعلم كيف يفعلونها. فهم إن لم يجدوا بكاءًا، يتباكون. أما أنت، فلم تستطع على هذا أو ذاك .. فقط كل ما تقدر عليه هو الكتابة عنهم.

سوف تخبرك "بسكاليا" عن باقي ما لم استطع البوح به ..



Monday, 6 May 2013

عن الراحة

صباح جديد. نسيم عليل. تعيد النظر إلى شروق الشمس، فاليوم تجده على غير المعتاد .. بالنسبة لك بكل تأكيد، فما اختلف الشروق يومًا عن باقي أقرانه. ابتسامة رضا تعلو شفتيك، تجعلك مقبلًا على كل الحياة مغايرًا لما كنت عليه البارحة. تراقب أشعة شمسك و هي تتسلل بين طيّات نافذتك. تراهن على نجاحها في إسعادك، و تكسب دومًا. صياح ديك!. لا، فلم يعد لهم وجود .. بل زقزقة عصافير تتناغم بين بعضها البعض في ألحانها.

أتعجب ماذا يُروى للأطفال كحكايات ما قبل النوم الآن، فكل الأساطير قد فنّدت و كُشف أمرها. نحن آخر جيل البلهاء.

تفتح أبواب قلعتك الحصينة على مصراعيها، فأنت قد قررت أن تجري تفتيشًا مفاجئًا على ما تملكه من ملابس؛ كي تختار رفقاء سفرك. هذا و هذا و تلك، تملك الثقة الكافية في أنهم سوف يقومون بالغرض. كتابك و موسيقاك التي وحدك تعلم معناها و مقصدها بالنسبة لك. هنا تستشعر أن الكترونياتك قد أُقحمت على حياتنا إقحامًا، و لكن لن تستقيم حياتك بدون شاحن للهاتف و خزين جيد من الطاقة اللازمة للوحتك التي يطلقون عليها "الذكية".

تعيد النظر في كل ما حملت. تجري مسحًا شاملًا لأنشطة يومك المتوقعة. نومٌ، ووجبة افطارٍ، و قليل من مساحة خالية أمام بحر. رحلة مشي، و استكشاف، و جلسة تأمل. وجبة عشاءٍ، و بعض الموسيقى، ووقت تتركه وعيًا لما سيحمله لك اليوم. نعم، الآن أملك ما أحتاجه.

تعيد النظر إلى الصباح، متسائلًا لمَ لا يبدو هكذا كل يوم، أم أنك لا تحيا كل يوم؟

يملؤك غرور الفاتحين، تمضي تاركًا خلفك صومعتك، و حيّك، و كل أطراف الحياة تناغمت الآن فقط كي ترسم لك نجاح يومك و رحلتك. تمضي متأملًا كل هذا. ما زالت العصافير تزقزق، لا تعلم متى سيتوقفون، أو لمَ بدأوا في بادئ الأمر.

لا أحد يعلم لمَ ينجح طريق السفر دائمًا في جذب انتباه سالكيه، و لمَ دائمًا ينجح في صقل مهارات الشرود عندنا، و لمَ ينجح باستمرار في استرجاع ذكريات و خلق أمنيات؟ .. لا أحد يعلم، و لا أحد مهتمٍ بإجابة ..

تتمنى أن تظل في هذا الحال دومًا. هادءًا، مشرقًا، تملك عينًا جديدة عن ذي قبل. البعض يطلقون عليها حالة الراحة و الهدوء. آخرون يفضلون تسميتها تأملًا. لن تجدي محاولات التسمية، فهي حالة كنت فائزًا إن تملكتها، و كنت تعسًا إن فقدتها. دائمًا نحاول الوصول إليها، أو هكذا نصطنع. ولكن لا يهم .. فالأهم هو أن يملؤك هذا الشعور بين الحين و الآخر، بين فترات الجد و الاجتهاد.

مرة أخرى .. أتعجب ماذا يُروى للأطفال كحكايات ما قبل النوم الآن، فكل الأساطير قد فنّدت و كُشف أمرها. نحن آخر جيل البلهاء.

Tuesday, 23 April 2013

قصة لم تنتهي

بدأ الحفل.
ثلاث دقات تنذر ببدء العرض. استعد الجميع لوصولي. كالعادة أخبرتهم بموعدي، فلم يبخلوا باستعداد. تجمعوا في الموعد دون تأخير. والد و أخ و زميل و خبير. جد و خالة و عم و حضور كبير. بحفاوة استقبلوني كالفاتح، محملين على كتفي الصغير ما يعجز عليه الكهول. أمل و حلم و فرحة و هموم. رأي و متعة و غيرة و ما إلى غير ذلك. إنها الثقة، هي التي جعلتني أكمل المسير.

تقبلت هداياهم، فمن العيب أن تترك مستقبلِك بحفاوته غير عابىء بهداياه. أخبروني و سردوا لي ما فاتني في غيابي. لعب و لهو و زينة و تفاخر. حب و كره و عراك و تفاؤل. رغبة و زهد و كفر و بيان. عند و هجوم و سياسة و فنون. أخذت كلامهم محمل الجد، فليس منهم من أخونه أو أراه غير جدير بها. إنها الثقة، هي التي جعلتني أسير على دربهم.

لا لن أكمل .. فليس كل الكلام يقال.

عابر سبيل

يعبر البعض بحياتنا، حاملين متاعهم الخاص. يعبر البعض بحياتنا ليلقي هذا كلمة، و ينير لهذا فكرة، أو يعبر لكي يعيد المرء حساباته. يعبر البعض بحياتنا غير ملمين بالحكمة التامة من هذا. ستحاول بشتى الطرق العبث بالأقدار لتفهم. كلا، العبث ليس له مكان هنا. يعبر البعض بحياتنا لكي تعلم أن هناك غيرك. لست مالك هذا الكون، لست مسيطرا عليه، لست متفردا بصنعة، أو متباه بحكمة.
يعبر البعض بحياتنا و يمضوا و سيأتي آخرون، و سوف تعيد نفس الحديث. و انت نفسك سوف تعبر .. و تمضي.

Saturday, 20 April 2013

عن من وجد نفسه (فانتازيا)

يمر معظمنا الآن  بمرحلة شديدة الحرج، و هي أزمة الهوية. تربينا و نشأنا في بيئة تحفّها كلمات و شعارات مثل الحق و الفضيلة و العدل و الأثر الإيجابي و المبادرة و كسر المعتاد و خلق الفرص و مطاردة الحلم و المثابرة و الإقدام و الشجاعة و الإلهام و المثالية.
نعم، تلك الكلمة الأخيرة هي أُسّ المشاكل.

"قديمًا حكى لنا الجد أن المثالية أكذوبة" .. كذّبناه و مضينا ... و يا ليتنا.

إلا هو. لم يقبل الخضوع لتلك الأزمة.

تراه و هو غير موجود. حكايات الناس عنه تبهرك. لا تملك غير أن تبدي إعجابك، أو حتى تضمره. تراه من كلام الناس، و لكنك عينًا لا تراه.
أساطير كثيرة تحلّق. تعلم يقينًا أن هذا غير ممكن، و لكنك تحيد عن يقينك القديم بيقين أكبر. لا، هذا ليس اليقين .. يسمّونه الأمل.

سمتهم واحد، و هم قلّة. أتعلم تلك اللعبة القديمة؟ أن ترسم شخصًا دون أن تراه. لا؟ أتريد التجربة؟

سن الشباب.
عين ثاقبة.
أكثر من متوسط الطول بقليل.
ذكاء حاد. لا أدري كيف يظهر هذا على ملامح البشر ..
"قديمًا حكى لنا الجد أن الحكمة مكتسبة من التجربة" .. كذّبناه و نظّرنا .. و يا ليتنا.
عينين يميل لونهما لغير الأسود.
الوجه يبدو عليه الجدّية.
لا وجود لوزن زائد.
عريض الكتفين.
قليل الهرج.
بشوش الوجه.
لبق الحديث.
عميق الإيمان.
لا، ملحد.
أتريد هذه الصورة أم الأخرى؟
أن تعلم متى تكذب البنت أيسر لك من أن تعلم  فيما يفكر.
رأيه دائمًا هو ما يشكَل الصواب.
هادىء الطبع.
حماسه يصيب من حوله.

أيكفي هذا؟

ابحث عن المفقودين.

Sunday, 14 April 2013

على الهامش

أكتب هذه الكلمات و أنا في حالة صحية ليست على ما يرام.
أكتب هذه الكلمات و أنا لا أدري ما السبب.
أفكار كثيرة و متلاحقة.
قصص قصيرة تملىء دنياي.

لا أعلم إن كان هذا الحال سيظل ملازمًا لي، أم أن مخرجًا وُجِد.
سئمت الشكوى و الأنين و الفكرو التحليل و الانتظار و اللهفة و الصبر و عدمه.

سأخبرك يومًا بالفرحة و السعادة و البهجة التي تطير لها الألباب.
سأخبرك يومًا بالتفاؤل و الحماسة والهمة التي تبني الجسور.
سأخبرك يومًا بما تريد سماعه.
سأخبرك يومًا بما تريد توهمه.
سأخبرك يومًا.
سأكذب يومًا.

Sunday, 7 April 2013

حدثتني ذكريات

هي ضيفة عزيزة. تأمّل لحظة ستجد أنها دائمًا ما كانت إلا معك، تحدّثك، و تخبرك، و تعبر بك من زمان لزمان. رفيقة عمرك، و حاملة سرك. كانت معك حينما تركوك، أو تركتهم. كانت معك حينما لَحَنت عن سطرك، و دنوت. كانت معك عندما لَهَتك الدنيا، و غفوت. كلما أردتها، جائتك. كلما أخطأت، منعتك و وبّختك. صديقة هي أم أُم. لا أدري .. بل لا أبالي .. كل ما يعنيني هو وجودها.

هي ضيفة عزيزة. دائمًا ما تأتيك حين اهتمام. قلما تجدها تغامر بجاهها، و عزّها، و تترك مراسم التشريف من أجلك. عندها من الكبرياء ما يكفي أساطير. لن تأتيك يومًا وحدها. يومًا ستجلب لك صديقًا ما كنت ستلاقيه، و حبيبًا ما كنت يومًا ناسيه، و ماضيًا أليمًا حاولت مرارًا تفاديه .. لن تأتيك يومًا وحدها، و لهذا تحب صحبتها. فهي الأنيس و الونيس. فهي الجليس، و شفاء الحبيس. تحاول دومًا التخلي عنها، و انت المشتاق، و انت الغاضب، و الندمان، و الملهوف، و كل أشكالك التي تمرّست صنعها .. و هي دومًا على حالها، و هي دومًا تنجح في الوصول لهدفها.

لن تجدي محاولاتك، حاولت مرارًا أن تصطنعها. كلا. لم تكن تلك قواعد اللعبة قط. دعني أخبرك ما يحدث، لعلك نسيت، أو تناسيت. ستأتيك كلما مررت هناك، أو تذكرت المرور. تعلم ما تشعر به حين ترى شبيهتها وسط الحضور، فتكمل لك مسرحًا كبيرًا امتلىء بما يمليه عليك حالك. أناس يأتون و يذهبون و انت على حالك، منعزل بداخلك، تريد، متلهفًا، أن تصل لما قبل النهاية فتغيرُ واقعًا .. أو تمحوه. أحيانًا أخرى تأتيك و انت وحدك خاليًا، فتأتي ترسم حالة ما عليك، رضاك لم يكن يومًا اهتمامها، فهي دائمًا ما تأتيك برسالة. تشعر بها مرة أخرى وسط حديث كنت انت جزءًا فيه. تأتيك هنا كي تعينك على ما تقول، أو تصدك عما نويت، أو تتركك تائهًا وسط كل ما جلبته إليك.

ليس ذاك حالها دومًا، فهي من القوة بمكان. هي ليست وحدها. رفيقًا امتلكت بداخلك. عونًا لها كان، فصاروا متكالبين عليك، و انت ذو النفس الضعيفة أسير. يا حسن حظك لو أوجعتك حينما تخطىء، أو تعبر سدًا قد بنيته واعيًا من قبل. ستأتي هي و رفيقها متوعّدينك. تارة تجلب عليك أمثلة انت بطلها، و هو يعينها تأنيبًا. تارة أخرى تسرد لك قصة خيالًا، و هو يعينها ترجيحًا. لن تفلت منها إلا بقتل أحدهما .. و يا ويلك لو فعلت. فما البعث في دنيانا هذه، فلو قتلته .. ضللت الطريق، و لو قتلتها .. ضللت نفسك.

Thursday, 4 April 2013

عتاب مبني للمجهول

لعلّي أستريح ... هكذا حدّثتني نفسي و هي تراودني عن كتابة هذه الكلمات. أصبحت كتباتي و أمسى كلامي مشبّعًا بما يراه الأعمى حزنًا، و ما يملئ العُمر دهرًا. لا، هذا الحال ليس بجديد، و لكن لم يعد يتسع صدري بما يحتويه من كل هذا، مع أنه كان رفيقه منذ الصغر. رغم أنه كان رفيقًا ثقيلًا، عالمًا بأنه غير مرغوب فيه، و لكنه كان "الرفيق" .. لم يتشتت و لو للحظة رغم كل مجهودات الأفراح و الإنجازات من إضافة صبغتهم الخاصة. بائت كل المحاولات بالفشل. قررت كتابة هذه الكلمات عتابًا و لومًا لكل الظروف و الأشخاص اللذين تسببوا في كل هذا .. و قبلهم، ألوم نفسي.

أولًا .. ألومك انت. يا من اعتقدت أنك أفضل منهم، بقدراتك و حماسك .. تناسيت أنك من غيرهم سوف تكون نقمة على صاحبك. تمردت في صمت، فأصبح السكون ضجيجًا. أخذت ببناء الحصون المنيعة التي منعت القريب و البعيد من الدنو نحوك. فلتنعم بعزلتك، ولتنعم بمهاراتك .. فهاهم تركوك و هاهم يراقبوك. تريد أن تستدل بهم، و لكنهم فقدوا الإيمان بك ..

ثانيًا .. ألومك انت. اعتقدت أنك بمرورك الكريم ثم ذهابك بعيدًا تكون قد أديت الأمانة. ألا تدري ما صنعت. فليس كل مننا نبيًا يُفتح له الباب فيسعى. كلا، انت لم تكمل رسالتك، فهناك من الأسئلة ما يكفي البسيطة. لمَ؟ و كيفَ؟ و علامَ؟ و لماذا؟ و متىَ؟ و أتدري؟ ..

ثالثًا .. ألومك انت. وهمًا بعت، فاشترينا. ظننا أننا ناجون محلّقون في سماءٍ سابعة، و لكن ما لبثنا أن نخرج من قوقعتك، حتى وجدنا الريح عاصفة، آكلةً كل ما زرعت، و لم تتركنا محترفين مهنةً. ها نحن هنا، ننظر إليك بحسرةٍ، و ننظر إليهم بكسرةٍ. قلت لنا أن نوسِطْ .. و لكن هذا نفسه هو ما تسبب في كل ما مضى ..

رابعًا .. ألومك انت. من قال لك أني مختلف عن غيري. من حدّثك أنني سوف أكون متميزًا في هذا؟ .. كذبت و أضررت. لم تتركني وحيدًا، و لم تكمل معي المشوار رفيقًا. تبًا لك ..

خامسًا .. ألومك انت. ظننت بهذا أنك قد أتيت بما لم يستطعه الأولون، غير عابئ بطريقة، أو ببشر. تسارعت، و تشبثت، و تجادلت، و شاهدت بعينك جميع المرادفات . و لكن مع ذلك كله، لم تنعم بجديد، و حصدت ما زرعت سرابًا. و صار ما سعيت ضلالًا، و انتهى بك المطاف حائرًا، بين ما كان، و ما سيكون، و بين ما كان يجب أن يكون ..

سادسًا .. ألومك انت. ألومك لومًا شديدًا يقارب كل ما سبق. استهترت، و خالفت أولوياتك. كذبت، و لم تكترث بنتيجة. ظننت أنك بذلك نوحًا. ظننت أنك بذلك موسًا. ظننت أنك الأصح، و على ما يرام، و أن ما هو دونك غثاء. انت لا تعلم فداحة فعلتك، و لن أخبرك، و لن أعاتبك جهرًا .. و غالبًا ما سأتجاهلك سرًا. و لكن اعلم، أنك ستجني ما قدّمت، و سترى ما فعلت .. فلا تلومني ..

Sunday, 10 February 2013

بعد الواحدة صباحًا

تدعي أنك أكثر مني وحدة .. لا، عذرًا. اقتناعك بهذا يعني أنك لا تعرف ما تعنيه هذه الكلمة، أو أنك لا تعرفني بعد.

عزيزي السائل، إن كنت تستدل عليها بمن حولك، فدعني أقول أنك واهم. فكم من كان له أصدقاء، و لكنهم جميعًا لا يعنوا له الكثير. كم من كان حوله الكثير و الكثير، و لكن هذا كله لم يغير من الحقيقة شيء، أن أحدًا لم يستطع فهمه. كم من كاد عقله يتفجر من كثرة ما يحويه من أفكار و خواطر وجب مشاركتها، و لم يجد من يشاركه، أو من يستحق هذا.

عذرًا، انت لا تعلم شيئًا.

Sunday, 3 February 2013

شيء من الانتظار

عقارب الساعة تبوح بأنها التاسعة صباحًا. صباح مشرق لم تغلفه بعد الغيوم. الشارع التقليدي يظهر بشكل غير اعتيادي. ها هم من يغلب في تكوينهم النقاء و الطيبة، منطلقين يبحثون عن رزقهم، و رزق أهلهم. مثلهم مثل الطيور، تراها في السماء تنشد مقطوعة فريدة، كل على آلته يعزف من نوتته الخاصة، و مع ذلك تجدهم جميعًا يشكلون أوركسترا لم يعرفها الوجود من قبل.

حمل في حقيبته ما يحتاجه لهذا اليوم، و كل يوم. كتابًا، و ورقة .. و قلم. رغم أنه يحمل أيضًا من الأجهزة الحديثة ما يغنيه عن كل ذلك، و لكنه يجد فيهم طيّات التاريخ، و علامات الماضي. من الذي يستطيع أن يجادل بأن كتابًا من ورق أفضل ألف مرة من أشباه الكتب التي لا تستطيع الإمساك بها.العلاقة بين القارىء و الكتاب تتعدى نقطة نقل المعلومات، بل هي علاقة وطيدة، تبدأ بالتعارف، فقبول، فإعجاب .. حينها يفتح الكتاب مصراعيه لحامله سامحًا له بحمل كل أسراره . بلا خجل. فقد وثق فيه، و رأى منه أنه من يستحق هذا. عجبًا لذلك الكتاب، تراه ساكنًا، تحسبه عاجزًا، و لكنه مثل شيخ القرية. صامت، قليل الكلام، و لا يبوح بخواطره إلا لمن يستحق، إلا لمن يثق فيه.

ذهب إلى هناك، منتظرًا. لا أعلم ما كان يدور في وجدانه؛ فهو نفسه، أحيانًا، لا يدري. كل ما يعلمه أنه منتظر، دائمًا في حالة ترقب. يستطيع بخلده أن يرسم صورة، بل ملحمة، كاملة الألوان، مترابطة الأحداث. تجده حينًا هو البطل. بطلًا مغوارًا عتيًا، يحمل في جعبته كل أدوات الذكاء و الفطنة و الجاذبية و القوة .. و كل ما يحلم به الفتيان. أحيانًا أخرى يختار دور الرجل الثاني. هذا الرجل شديد التأثير في مجرى الأحداث، و لكنه يبعد عن بؤرة الضوء. دعنا نقول أنه يفعل ذلك باختياره، و دعنا أيضًا نتجاهل كل المرات التي لم يستطع فيها جذب الأضواء، و إن حاول. هناك يجد راحةً له. من يعرفه يعلم أن عقله دائمًا منشغلًا، لا يهدىء له بال، و لكن من الخارج تجده شاردًا، هائمًا .. أو منتظرًا.

بعد فترة من الوقت يعتاد المرء نفسه. بعد فترة من الوقت يكتشف المرء نفسه، و يزداد تعرفًا عليها. بعد فترة من الوقت يعلم المرء نقاط ضعفه، و إن كان قوي الملاحظة ... سيجد تلك النقاط في كل حدث يمر عليه يوميًا. في بعض الأحيان نصبح أسرى أنفسنا. يحدث ذلك عندما ننفصل عن ذاتنا و ننظر لها، متأملين، من الخارج. نجدنا نعلم ما يرضينا، و ما يفسد علينا فرحتنا؛ و مع ذلك تجدنا لا نعرف أن نغير شيئًا من هذا. حقيقةً لا أعلم ما يجب فعله في تلك الأوقات. ما بين الإحساس بالقوة، و الضعف، تتبدل الخواطر و القرارات، و يصبح أفضل حل هو التجاهل.

بعد فترة يتدارك كل هذا، و يعلم أنه قد رأى اليوم من الجمال و تدبير الخالق ما يجعله يؤمن بأن يومًا ما سوف يجد ما يجعله يتخلص من تلك الغصة كلما تذكر عيوبه. لا، لن تزول، و لكن عليه فقط أن يعلم بأن وقتًا ما سوف يتذكر كل هذا، و يبتسم، لأنه الآن في حالٍ أفضل.

Tuesday, 1 January 2013

حالة نادرة

تستدعي أيام الغربة اللي عايشها حاليا حالة من الوخم و الكسل و الحزن و كل ما هو على شاكلة السواد ده. بلد تقريبًا مفيهاش حاجة تتعمل، و تقريبًا قاعد لوحدي .. مفيش أكتر من كده جو مثالي للأنتخة.

مِن و انا في مصر كنت شايل و مأجّل حاجات كتير أوي أعملها لحد ما آجي هنا. في الغربة الواحد هيبقى عنده وقت أكتر، هدوء نسبي، مفيش حاجة تشتته عن اللي عايز يعمله، و عن اللي كان مخطط له من زمان. رحت على بلد الغربة، و بقى عندي وقت أكتر، و بقى فيه هدوء نسبي، و تقريبًا مفيش حاجة تشتتني .. لكن لسه الحاجات اللي عايز أعملها زي ما هي.

دي أول مره أسافر بره مصر لفترة طويلة، و أول مرة أسافر برة مصر أصلًا. أهم اكتشافاتي و مكاسب فترة السفر حتى الآن؛ إنها جابت مراية و وضعتها قدامي. أول مرة أشوف نفسي بالوضوح ده، شفت مميزاتي و عيوبي، شفت أنا بتصرف في المواقف دي إزاي، شفت إزاي بتعامل مع المختلف و اللي شايفه غلط. مش مهم بتصرف صح ولا لأ، بس المهم إني شفت نفسي، شفت أنا عامل إزاي. من أوضح الحاجات اللي شفتها هي إنقراض الهمة و العزيمة داخلي لو الحاجة اللي هعملها مش مقتنع بيها تمام الاقتناع. هنا ظهر أوي الفرق بين صح، و الصح بتاعي؛ بين الإجابة النموذجية، و بين الإجابة بتاعتي.

نتيجة كل الكلام السابق تم التعامل مع كل أوقات الفراغ على اتجاه من اتنين؛ يا إما تفكير بزيادة في حالي و أنا ليه عامل كده، يا إما الأنتخة و الراحة و تعويض شقاء العمر اللي فات! .. لسه قائمة الكتب اللي عايز أقراها زي ما هي، لسه الكام بحث اللي كنت ناوي أعملهم زي ما همّا، لسه أنا زي قبل ما أسافر، الزيادة هو شوية تفكير أكتر. و من هنا زادت حالة الحزن أكتر. بدأت أشكك في نفسي، و هل ما كنت أدّعيه طلع أوهام، ولا هي نكبة و هتعدي؟

ظلت هذه الحالة إلى أن ظهر شيء جديد، شيء مخالف عن المعتاد. بعد طول تفكير افتكرت إن كان في كورس فلسفة من هارفرد، ع النت، ببلاش، طبعًا مفيش أحسن من كده. بدأت أتفرج على الكورس، و أتابعه بزيادة. أخد وقت و مساحة كبيرة من اليوم، فكّرني بالحاجة اللي كنت زمان شاغل نفسي بيها، و وصلت لحالة نادرة من النشاط و التفاؤل، حتى الشغل بقيت أروحه مبسوط. الفرق بين قبل الكورس و بعده حاجة واحده بس؛ إن رجع في يومي يبقى في مصدر لإشباع رغباتي و اهتماماتي أنا، مش أهداف المجتمع و الحاجات اللي "المفروض" أعملها، لأ، الحاجة اللي أنا عايزها. الحمد لله على إنعكاس الشحنة المعنوية دي على باقي اليوم، و يا رب تكمل.

حتى لو الوضع الحالي مش هو المثالي بالنسبة لك، حتى لو لسه مش لاقي الحاجة اللي نفسك فيها .. خلي بالك، لازم تحافظ على الحاجات اللي بتحبها، و تخليها دايمًا موجودة في يومك.